إلى فتى ربيته
كانت العجوز تكتب و أصابعها
ترتعش , بدت كمن يسطر الحروف على روحه و يخطها بدموعه, تلك الرسالة كانت
لوحيدها الذي لم تره منذ شهرين و اكثر, خاطبته تستجدي حبه و شوقه كانت تكتب له:
أنت لا تصدقني , اعلم انك تعتقد
أنني لا أقول الحقيقة , زوجتك تذرف الدموع بسرعة مدهشة تمهر بها مبالغاتها و ما
تفتريه علي , صدقني يا بني ما أخطأت معها , كل ما قلته لها أن عليها أن لا تطعم
صغيرها كما يحلو له من الحلوى قبل الطعام فهو لن يأكل على الغذاء فانفجرت بي بغضب
لم افهم سببه حتى الآن و قالت : دعي أمور ابني لي هل ستعلمينني كيف أربيه أيضا ؟؟
هل تعتقد أني أبخل بالحلوى على
هنود حبيب قلبي , كل الأمر اني أردته أن يأكل بشهية على الغذاء , قلت لها لا يا
بنتي إلا انهم يقولون في المثل : اكبر منك بيوم اعلم بسنة , فقاطعتني : إذا تعتقدين
أني جاهلة و لا افهم شيئا , و الله يا بني اني ما وصفتها بكلمة مما ذكرتْ كان المثل
آخر ما تفوهتُ به و تولتْ هي البقية حتى أتيت , اعلم إنها لا تريد العيش معي في نفس
البيت و لكن البيت كبير و في منطقة راقية هل ستجدون افضل منه , عد يا حبيبي أقنعها
تحدث معها و أنا لن أتدخل بها مطلقا لن أحدثها إلا بتحية الصباح و المساء و الزم
غرفتي غالب الوقت , يزعجني أن أراك تستأجر منزل في حي رخيص لن ترتاح فيه و أنا في
منزل كبير وحدي , هذا المنزل الذي قضينا به اجمل و اتعس لحظات حياتنا , سطرنا على
كل بلاطة من بلاطاته ذكرى يوم من عمرنا , ألا تريد أن تشاطرني أيامي الأخيرة فيه
؟؟!!.
محمود يسلم عليك , ابن جيراننا
الذي كان معك بالمدرسة , يمر بي كل يوم سائلا إذا كنت أريد أن يجلب لي أي شئ من
السوق , و يسامرني على الباب , حتى انه يناديني أمي و يقول انه ما رأى أمتع من
حديثي , طلب الي أن أعطيه عنوانك و قلت بما انه سيزورك سأرسل لك معه هذه الرسالة ,
كم أتمنى يا بني أن افتح الباب لاجدك و أسرتك خلفه ...
دق جرس الباب فقطع حوار العجوز
مع الورق , تركت القلم جانبا و اتجهت إلى الباب بسرعة و فتحته راجية أن تكون
أمنيتها قد تحققت بهذه السرعة فطالعها وجه رجل غريب بادرها : مرحبا
ـ أهلا
ـ هل أنت كريمة النحاس .
ـ نعم ...عفوا يا بني و لكن من
أنت؟؟
ـ أنا ساعي البريد...
ـ أهلا بك ... لقد ظننت ابني
جاء أخيرا فقد اشتقت له , للرجال قلوب قاسية .
نظر الشاب مشفقا عليها و قال :
هل تعرفين القراءة يا خالة ؟
أجابت بفخر : خالتك أم نبيل
درست السرتفيكا , انه يعادل صف التاسع هذه الأيام ... و لكن شتان بينهما , الدراسة
على زمانكم يا بني ضحلة , لا ثقافة فيها مجرد صف حروف على الورق ,أتعلم إنني أتحدث
الفرنسية بطلاقة , و تكلمت بسرعة بضع جمل بالفرنسية , فابتسم الشاب .
هل تعزف الموسيقى ؟؟ و لم تنتظر
إجابته ...فتابعت: خالتك أم نبيل تجيد العزف على العود ... الله يرحم أيام زمان كنا
نجتمع أنا و صديقاتي و جاراتي بعد ذهاب أزواجنا إلى العمل و إنهاء أعمالنا
المنزلية فاعزف لهن و تغني أم احمد رحمة الله عليها بصوتها العذب , و الله يا بني
انتم مساكين ... لا تعرفون ما معني السعادة . ثم استطردت :
هل تحفظ الشعر؟؟
أجاب قليلا ..
هل تعلم أنى احفظ اكثر من ألف
بيت نصفها من ألفية الشافعي ؟؟
و أخذت تردد له أبياتا مختلفة
من الشعر .
اندمج الشاب بالحديث معها و نسي
الأمر الذي جاء من أجله , كانت العجوز خفيفة الدم حاضرة الذهن متقدة الذكاء , علاوة
على ذلك كان من الواضح تماما كم هي لطيفة .
قالت له : هل تعرف يا روح خالتك
لو أن أبي تركني اكمل دراستي كنت أصبحت طبيبة لكن الناس أكلت وجهه حتى أكملت
السرتفيكا , و الله انه اقتلعني من المدرسة كما يقتلع ضرسه كان موجوعا اكثر مني.
ثم حانت من العجوز التفاته إلى
الأوراق التي بين يديه فقالت : لم تقل لي لماذا شرفتنا بزيارتك يا بني ؟؟
قال الشاب و هو يختنق بكلماته :
كنت أريدك أن تستلمي هذا التبليغ و توقعي لي على الاستلام .
نظرت المرأة إلى الورقة التي
عليها استلامها ... كانت تبليغا من المحكمة من أجل حضور جلسة لدعوة أ أقامها عليها
ابنها الوحيد للحجر على ممتلكاتها بسبب عدم أهليتها العقلية .
