ما رآه البارحة عبر القنوات من
أخبار لا تسر عدواًَ ولا حبيباً ، أرقدته في نوم عميق ، وهو يفكر ...هل ما
شاهده هو فيلم ، أم واقع بات يعيشه ، استيقظ أبو علي يستعيذ من الشيطان ،
يبصق يمينا ويسارا على عدوه ابليس ، في الطرقات النائمة الباردة ، تطأ خطواته
الأرض بقوة إلى مطعمه ، كأنه يقنع نفسه بوجوده في هذا الواقع الجديد ، كان
أبو علي رجلا نحيلا رغم تفننه في الفلافل المبهرة ، التي رائحتها تستقطب الأنوف
، لم يخل في يوم ما مطعمه من الأجسام المتعبة العاملة ، تتسارع إلى صحن فول أو
حمص ، وجارات الحي من حوله توصيه بالفتة أو القدسية ، رغم ان جارات الحي لم
تسلمن من لسانه ، كم من مرة يمازحهن ..... زوجك تزوج عليك ، لقد رأيته عابطا
بيده بنتا حلوة .... يجبن ساخطات باسمات ..... يكفينا شرك يا أبا علي ...
مؤخرا قبل يومين اكتظ مطعمه
بزبائنه ، يدورون بمقاعدهم حول التلفاز ، من قناة إلى أخرى ، يستمعون إلى الخبر
، يجهلونه أو يعرفونه ، لكن يريدون التأكد ، يسألون أبا علي ..... يا أبا علي
مات أم قتلوه ؟، كأن عند أبي علي الخبر اليقين ، يصنع له أسطورة خالدة ويقول
.... بكرة يعود وينتقم ، تهتز الرؤوس مقتنعة أو تتظاهر بالاقتناع ، ترضي غرور
أبي علي ، يطوف بصحون الفول والحمص من طاولة إلى أخرى ، تهتز الصحون كأنها تصفق
له ، وهو يقول ... غدا قريب وان مت تذكروني .. لم يكن الموت بعيدا عن أبي علي،
لقد فارق المستشفى من يومين ، سعال شديد ألم به ، وازداد بسبب الوضع الراهن
الذي يرفضه ، على فرشته علب سجائر فارغة ، دخنها دون وعي ، وهو يتابع أخبار
العراق ، .
وصل أبو علي مطعمه متهالك القوى ،
هبط بجسمه يتكئ على قدميه ، يفتح مطعمه ، ربتت على كتفه يد، وصوت أبو صبحي
يقول ......الحمد لله على السلامة يا أبا علي ، رفع رأسه وهو يحاول فتح قفل
الباب، يرد ...... الله يسلمك يا أبا صبحي ، انه جاره صاحب السوبرماركت ، حمل
كرسيين من مطعمه ، ناول أحدهما إلى جاره أبو صبحي ، بينما الآخر جلس عليه ،
جلس الرجلان يقلبان جريدة ، أخفاها بائع الجرائد تحت باب المطعم ، لم تكن
الأخبار تروق لأبي علي ، انتابته موجة خانقة من القهر ، تعود به الذاكرة إلى
الوراء ،إلى أيام حرب الستة ، كان آنذاك في الخامسة عشرة من عمره ، رأى بأم
عينه أباه يقع شهيدا ، أمام نظره ، وهو يدافع عنه وعن شرف عائلته ، لم يحتمل
آنذاك الهوان ، واليوم تتقلب به الظنون وتزداد مخاوفه ، اختنق وهو يبلع ريقه ،
يود ان يتنفس ، ان يقول ....... لكن روحه فارقته ، وطوى الله ما في داخله ، وفي
فمه كلام لم يستطع قوله ، مات أبو علي كأنه أدرك ان الموت افضل حالا من العيش
مرة أخرى ، في ظل استعمار جديد ، بل أراد الموت ، لان عصر المعجزات انتهت ، .
