المتشرد
صحا
أبو محمود في ساعة متأخرة من الصباح ، شعر بألم يعم جميع مفاصله ، و خاصة ألم
الظهر ،
وطأة
ألم الظهر تتفاقم يوما بعد يوم و خاصة منذ أن حل الشتاء ،
تمطى
تثاءب
تثاءب
أيضا
ثم
توجه إلى دورة المياه ، فقضى حاجته ثم توضأ
المياه
الباردة تلسعه ، و لكنه يستمر
عاد
الآن قرب المحراب فصلّى صلاة الضحا
ثم
جرجر نفسه نحو مدخل المسجد
فجلس
هناك ، و هو يبسمل و يحوقل
ضبط
وضع عباءته التي قدمها له أبو تحسين
ثم أخذ
يتابع الرائحين و الغادين
و يرد
السلام على كل منهم
" و
عليكم السلام أخي أبو تيسير و رحمة الله و بركاته "
" و
عليكم السلام و رحمة الله و بركاته أخي أبو سليمان "
تتقدم
منه ، فتاة صغيرة ، فتقدم له سرة :
-
صباح الخير عمو أبو محمود ،
والدتي تسلم عليك و تقول لك : " مأكول الهنا "
يجيبها
بعين دامعة :
-
( الله يرضا عليك يا بنتي )
أنت إبنة أبو شفيق أليس كذلك ؟
-
نعم عمّو أنا روحية بنت أبو
شفيق ، و والدتي تقول لك ، إذا كنت بحاجة لأي شيء آخر أأمر .
-
لا يأمر عليكم عدو( يا بنتي
) ، و يعطيكم ربي على قدر نيتكم ..
*****
قبل
حوالي شهرين
لاحظ
إمام المسجد أن( أبو محمود ) يقيم فيه ...
لم
يسأله بداية ، و لكن الفضول استبد به ذات يوم فتقدم منه سائلا و ناصحاً :
-
هل عزمت على التنسك يا ( ابو
محمود ) ، أنا أشجعك على إقامة صلواتك في المسجد ، الفروض منها و السنن و الأنفال
، و لكن أن تبيع بيتك و تسكن في الجامع فهذا ما لم أفهمه و لا أقرّك عليه ،
فالمسجد بيت الله المخصص للعبادة و ليس للسكن ، التنسك و الدروشة سلوكيات ممجوجة
و غير مقبولة يا ( أبو محمود ) ، و كما تعلم فلا رهبانية في الإسلام !!
يجيبه
أبو محمود و قد انبثقت دموعه رغما عنه :
-
" إني مضطر يا شيخي ،"
" لا
ترغمني على البوح أرجوك ، "
"
الأمر بالغ الخصوصية ؛ "
" أما
إذا كنت تجد في وجودي أي حرج أخبرني بدون أي تأخير فسأسعى لمكان آخر."
فتركه الشيخ أبو اليسر و مضى و هو يهز رأسه تعجباً !
*****
إلا أن
الشيخ لم يسكت
بعد
صلاة عشاء أحد الأيام ، طلب الشيخ من ( أبو شفيق ) أ ن يتريث قليلا بعد الصلاة .
سأله
أبو شفيق بفضول شديد :
-
خيرا إنشاء الله , شيخي ؟!
-
فقط أردت أن تنورني ، هل
تعلم لِمَ باعك أبو محمود بيته ؟
سأله
الشيخ ، فيجيبه أبو شفيق على الفور :
-
أبو محمود لم يبعني البيت
شيخي ، البيت كان ملكا لإبنه ، و ابنه من باعني البيت ، ثم مضى إلى حيث يقطن في
أمريكا !
*****
كان
ذلك قبل سنتين
توفيت
أم محمود
حزن
أبو محمود في أعماق الأعماق
كانت
أم محمود رفيقة دربه في السراء و الضراء
و
خلال أيام حزنه وحيداً ، و في إحدى خلواته مع نفسه ، اتخذ قراره ..
لك
البيت يا بنيَّ
و لكِ
المال يا بنيَّتي
نصف
قيمة البيت أو يزيد
و تركت
لنفسي ما يكفيني حتى يوافيني الأجل ، فلا تقلقا عليَّ ...
*****
و سافر
محمود إلى الولايات المتحدة إلى حيث أسرته ..
و
سافرت نائلة إلى إحدى دول الخليج إلى حيث أسرتها ..
و بقي
أبو محمود يجتر أحزانه ..
إلى أن
قرع أحدهم بابه ذات يوم
و
بذهول كاد يفقده صوابه ، قال له أبو شفيق :
- "
صحبت عيالي لمشاهدة البيت ، هل تسمح لنا بالدخول ؟ "
"
متى يمكنك يا عم ، تسليمنا البيت ؟ "
"
وعَدَنا ولدك أن نستلمه خلال شهرين ، أرجو ألا تتأخر عن ذلك ياعم "
كلمات
مهذبة و لكنها وقعت على أم رأسه وقع الصواعق ...
" تحضر
إلى البلد دون أن تراني يا محمود "
" تبيع
البيت ، دون أن تخبرني يا محمو د ؟ "
" تريد
أن تشرد أباك يا محمود ؟!!! "
يكتب
إلى ابنته نائلة مستنجدا !
يأتيه
الجواب سالبا :
"
شتمني أخي محمود عندما جابهته بحقيقته "
" رجوت
زوجي أن نستقبلك ، و لكنه رفض ، و لا أدري لذلك سببا معقولا "
"
ناقشته ، تشاجرت معه ، و لكنه هددني بالطلاق "
" أنت
لا تريد لإبنتك خراب البيت ، يا أبي ، أليس كذلك ؟! "
*****
تجمعت خيوط قصة أبو محمود لدي الشيخ أبو اليسر ، من هنا و هناك
طلب
وجهاء الحي لاجتماع هام
تقرر
أن يقدم كل منهم ما يمكنه من مساعدة
*****
يتقدم
طفل من ( أبو محمود ) فيحييه
لا
يجيبه أبو محمود
يلحف
بالنداء :
-
عمو أبو محمود ، أنا ابن
أبو سعيد ، أحضرت لك طعام الغذاء
لا
يجيبه أبو محمود
-
يتقدم منه أكثر ،
يظنه
نائما ،
يهزه ،
فيميل
على جنبه ...
يصيبه
الهلع ، فيصرخ
يتجمع
المارة
ينطقون
بالشهادتين
ثم
يطلبون من الطفل أن يعود إلى داره بما حمل
