لم يكن إبليس ليدع الناس وشأنهم ، بل لقد حلف أعقـد الأيمان ، ومنذ اليوم الأول
لوجوده على الأرض ، على أن يُكره الناس في معيشتهم . وأخذ لتنفيذ هذا الأمر ، على
نفسه ، العهـود والمواثيق . وليتحقق له ما عزم عليه هيّأ من الأسباب ما يحمله على
إشاعة الرعب في صفوفهم وبدقة متناهية . لهذا لم تكن تفشل خططه ، على العكس فلقد
ذهب في الدقة مذهباً لم يسبقـه إليـه
أما مسكنه ففي جوف الأراضي السبع ، اتخذ منها مأوى له ، ولعفاريته ذوات القرون ،
وتلك التي تظهر أقدامها كأقدام الماعز . على أنه يجب ألا ننسى أن إبليس ومَن
وراءه من الجن الكافر إنما يسكن الأراضي الخربة ، والبيوت المهجورة عند ظهوره إلى
سطح الأرض خارجاً من جوفها . وعبر موجات شيطانية يأتيه الخبر اليقين وهو تحت
الأرض في قصره يحيطه حرس هائل من الجن الآبق الذي لم ينطق يوماً بشهادة ، ويأبى
أن ينطق بها برغم يقينه من أن ناراً بالانتظار ، وجحيماً لا يطاق سيتناول أول ما
يتناول القرون ، وأقدام الماعز وكل " الظهورات " الشيطانية الأخرى . وإذا ما أراد
الظهور لعدوه الإنسي فعبر خبر في صحيفـة ، أو عبر إعـلان " تلفزيوني " . وإذا شعر
بالأرض تهتز من تحت قدميه ، فإنه يسارع إلى إقامة الدنيا ولا يقعدها ببث خبر
تتناقلـه الصحف ، فتقوم قائمة الشر ويدخل الناس شعاب التيه ، ويجـرّهم كأنهم
النعـاج إلى السجون ، ومن ثم إلى المسالخ ...
ولما كان له موعداً مع الموت ، فقد قرر أن يوقع أكبر قدر ممكن من الخسائر طالما
أن جهنم بالمرصاد . وبحكم طبيعته النارية فإنه يحن إلى حرق الناس والتهامهم
مشبعاً بهذا غريزته لتظل الجذوة متقدة . وحتى لا يغطيها الرماد ويخنقها فتنطفئ ،
نراه يغذي عروقها بلحم آدمي لرائحة شوائه إغراء يتغلغل في مساماته ، ولهذا
الإغراء سحر لا يملك أن يمنع نفسه عنه .
من هذا أن إبليس قرر ذات يوم القيام بجولة فاستنفر عفاريته التي طارت في كل اتجاه
تشمم له الأخبار ، فيأتيه منها الكثير ، ومن ضمن ما جاءه أن قرية آمنة استقرت على
الضفة الأخرى للنهر ، تعيش حياتها بأمن وسلام . استفزه هذا الواقع فخرج يقود ولده
ليتدرب على فن الحيلة والتدمير ، وفي طريقهما إلى هدفهما مرّا بقرية ضعيفة
مسالمة على حدود تلك التي يقصدونها . كان إبليس يمشي مشياً أقرب إلى السرعة منه
إلى البطء . عند سفحها رأيا خيمة عبرها إبليس ، وتوقف عندها ولده الذي راح ينظر
ما بداخلها ، فأبصر امرأة أمامها قدرٌ مملوء بالحليب . كانت الخيمة مشدودة إلى
أعمدة تثبّتها ، وكان في أحد طرفيها " سكة " . كان المشهد على تواضعه قد أخذ بلب
الولد الذي رأى لحظتها أن يمارس رياضة العبث ، فخلع السكة وبخلعه لها مالت الخيمة
، وبميلانها سقط طرفها على قدْر الحليب فاندلق على الأرض . صاحت المرأة حزناً
وجزعاً وغضباً ، وعلى صوتها حضر زوجها مذعوراً ملهوفاً ، وما أن رأى الحليب يسيل
على الأرض حتى حمل على زوجته تقريعـاً وضرباً . بعد حين التمّ شمل القرية على
الصياح والهياج ، وبينما هم يتساءلون عن الأسباب التي دفعت الزوج إلى ضرب زوجته
كانت هذه قد فارقت الحياة .
فرّ الولد الصغير هارباً مثيراً زوبعة من الغبار ، ومن بعيد سأله أبوه : ماذا
فعلت يا ولد ؟ أجابه : لا شيء يا أبي فقط خلعت السكة .
***
على يمين إبليس وولده وشمالهما ، ومن أمامهما وخلفهما سارت العفاريت مدعومة
بالعفاريت الطيارة ، والمائية .
صحت القرية من نومها مذعورة لا تصدق ما جرى لها من حرق وتدمير . كانت الأشعة
المرسلة من عيون العفاريت ، كافية لإحالة القرية الوادعة إلى شيء مائع ، سائل ،
سخّنته أشعة الشمس فاحترقت به الأرض . آنذاك ، والقرية سائل ساخن ، بثّ إبليس
أوامره بحرقها وتدميرها .
أمام هذه الهجمة الشيطانية ، والتي تستمد زادها من تاريخ قديم مغرق في العصيان
لأوامر النهي السماوية ، ومدمّر لكل حالة إنسانية ، انطلـق شاب يمور بالانفعال ،
ويجيش بالعاطفة ، أخذ على عاتقه أنه سيقتل الجن جميعاً وبخاصة المدعو (( حمروش ))
بأن يسلّط على ما بين عينيه صاروخاً فيقتله ، وبقتله يطعن إبليس في خاصرته ،
ويخلّص قريته الآمنـة من شرّه الآبق ، ويفك أسر حبيبته .
انطلق الشاب من فوره إلى أحد التلال ، وهناك قضى الأيام والشهور يتدرب على
الرماية ، وفنون القتال الأخرى حتى تحول نتيجة التدريب الشاق إلى ما يشبه العمود
ضعفاً ونحولاً ، ولكن مع صلابة بدت أقسى من الفولاذ ، وذلك لأنه سيواجه خصماً
عتيداً يستمد قوته من كنز الشر الذي يتربع عليه جـده الأكبر إبليس . ولقد عُرف عن
" حمروش " أنه وبضربة واحدة يدمر البيت ، وبخبطة رجل يحفر الأرض ، ولذا فقد كان
على الشاب أن يهيئ جسمه للدخول في معركة عنيفة لن تكون على الغالب متكافئة ، ولن
تكون النتائج في صالحه إذا لم يعد العدة الحقيقية لتلك المعركة الفاصلة . وليمتلك
اليقين بالنصر المؤزر ، ويحرر فتاته ، كان عليه أن يتسلّح بسلاح آخر يحوّل به
ضعفه البشري إلى قوة تسمح له باختراق الجني الآبق ، ويقهر من خلاله الجد الأكبر
له ، والمتربع على عرش النار منذ أن بُسطت البسيطة ، وكان هذا السلاح إيماناً
مطلقاً بجدوى حبه لفتاته ، هذا الحب الذي أشعل في داخله جذوة الإيمان ، لتتحول
بشريّته الفانية إلى قوة فيها من السحر ما يخرج إبليس بذاته عن طوره . إلى جانب
هذه الأسلحة كان لابد له من المكر ، فأنجال الشيطان الأكبر لن ينفع معهم الصدق بل
المكر الشديد . ولهذا فلقد اتفق الشاب مع أبناء قريته على إقامة الكمائن . فحمروش
الخارج من كهفه ، يأكل كل يوم فرداً من الأهالي ، ويكثر من أكل الإناث ، كأنما
رغبة منه في إنهاء القرية عن طريق منع النسل فيها فيما لو فكر أن يتركها وشأنها
ويرحل .
أول الكمائن كان تدمير الجسر القائم على الفرات لتعطيل حركته ، فيصبح عبوره النهر
صعباً إن لم يكن مستحيلاً ، وإلى أن تأتيه الإمدادات من العفاريت الطيارة ،
والمائية ، يتمكن أهالي القرية من الفرار إلى الجبال ، والاختباء في الكهوف مع
بقاء بعض الشباب يدبرون الحيلة للقضاء على الجن الذي يعيث في القرية فساداً .
تم تدمير الجسر وتعطّلت الحركة بين القريـة ، وقرى أخرى . وكان لابد من هذا
الإجراء لتعطيل حركة الجني المفسد حمروش ، الذي انطلقت في الليلة الثانية صرخته
تشق الفضاء وترج الأرض ، وتحيلها إلى خراب ودمار .
تهيّأ الفتية للمعركة المنتظرة معه ، هو الذي كاد أن يخترق السحاب طولاً . كانت
عزيمة الفتية لا تقهر ، وكانوا يضعون نصب أعينهم أنهم ميتون ، وأنهم ما داموا
كذلك فليموتوا ميتة لائقة ، ميتة مشرّفة تذكرها صحف التاريخ ، وتجعل منها القرية
شعاراً يتغنون به في أيامهم .
أما الفتاة الأسيرة فقد خضعت لحمروش خائفة مرعوبة ، ولعله ليس غريباً أن هذا
الأخير لم يأكلها إلى الآن ، فهو على ما يبدو قد أحبها ، وقرر الاحتفاظ بها
والزواج منها بعد أن يقضي على قريتها القضاء المبرم ويضرب بهذا عصفورين بحجر واحد
عند الجد الأكبر في أنه أولاً أشاع الفساد والدمار ، وثانياً أن يحمل الجد الأكبر
على مباركة زواجه من هذه الإنسية السمراء .
كان الجسر قد تهدم ، وعند طرفه الشمالي وقف حمروش يزمجر ويرعد ، وينفث من فمه
ناراً أتت في طريقها على الأخضر واليابس . تقدم يضرب الماء برجليه العملاقتين .
أثناء ذلك كان الفتية قد استقروا في مكمن آمن ، وفي حوزتهم سائل أسود مضغوط في
زجاجة ينفجر عن بعد بلمسة زر . كانوا ينتظرون عبوره المياه إليهم ، وبمجرد أن يضع
رجليه على اليابسة يقومون بالضغط على الزر فيتحـول الجني إلى قطع متناثرة .
أهل القرية أتموا الصعود إلى الجبال المحيطة ، الملجأ الآمن لهم من قذائف اللهب
النارية التي تخرج من فم حمروش الضال .
عند وصوله إلى اليابسة قذفه الفتية بالزجاجة ، وما أن استقرت هذه تحت رجليه حتى
ضغط أحدهم على الزر فانفجرت ، وسُمع صوت انفجارها . إلا أنه ومن هول الصدمة نفض
يديه بقوة هائلة فطارت منه النار في كل اتجاه، تحرق البيوت والشجر وتغسل الشوارع
بالهباب .
كان صوته كافياً لإحالة المنازل إلى دمار ، وإلى بث الرعب في الناس وهم على سفوح
الجبال ، وفي الكهوف ، فبكت النسوة والأطفال وارتجف الشيوخ .
الفتية وبالقياس إلى حمروش كانوا أقزاماً تفر من مواقع قدميه ، ولسوء حظ أحدهم
فقد وقع تحت قدمه فخرجت أمعاؤه من دبره ، وسوّيت جمجمته بالتراب .
البقية لجؤوا مع قائدهم الشاب إلى ركن ناء قريب من الميـاه ، ربما لا تطاله يد
العفريت ، أو هكذا اعتقدوا ومن هناك أخذوا يدبّرون التدبير ، ويعدون العدة لهجمة
أخرى .
***
من أعلى بدت القرية أرضاً محروقة ، قذفتها العفاريت بالحمم ، فأحالتها إلى حكايات
على أفواه الجدات ينقلنها للأجيال اللاحقة في صورة من الرعشة ، فيقف شعر الرأس
وجلاً وربما رعباً عند كل حكاية . من الحكايات أن العفاريت أخذت تنط من كل مكان
وتستقر بأبدانها الضخمة على جثامين الشباب والرجال فتقتلهم في القرية التي تم
احتلالها ، وعلى عرشها جلس إبليس آمراً ناهياً ، ومن حوله أنجاله الذين تدربوا
على فن المكر .
الصحف نشرت صوراً لإبليس وهو يدخل القرية محاطاً بعفاريته البرية جاعلاً من أعزة
أهلها أذلة . ونقلت الصحف أيضاً أن قرون العفاريت تحولت إلى رماح اخترقت الصدور ،
وأن على وجوه الأهالي ارتسم القهر جلياً ...
قال الشاب :
ـ لم نستطع قتله ولكننا عطلناه ، وأمنّا شرّه .
ورد فتى آخر
ـ ما هي الخطوة التالية ؟
ورد ثالث :
ـ نتخلل صفوفهم ونزرع الرعب في نفوسهم
وقال الشاب :
ـ هذا ما سيكون .
وتوالت التفجيرات ، وجن إبليس وجنوده ، ولم تنعم القرية بليلة هدوء واحدة .
على أثر توالي الأحداث ، فرّ إبليس إلى مأواه في جوف الأرض . ومما زاد في خوفه أن
الصحف تنشر وبشكل يومي أخبار المعارك وتبين عدد الضحايا من الجانبين ، كذلك
أخافته بعض التصريحات التي نالت من شخصه . ولتفريغ خوفه هذا أمر بزيادة كمية
التفجير مما دفع بالأهالي إلى الفرار في الليل والنهار من مكان إلى آخر .
أما الأسيرة وبالحيلة استطاعت الفرار من قبضة حمروش بعد أن أصابه المتفجر فأعطبه
. وفي ظلمة الليل تمكنت من لقاء حبيبها في كوخ على هضبة مطلة على المياه . قالت
له :
ـ لقد تمكنتم منه . اطمئن إنه الآن لا يقوى على الحركة إلا بصعوبة .
ـ ولكن ما يزال أمامنا عمل كثير . صمت قليلاً ثم تابع :
ـ يجب أن تختبئي .
ـ أين ؟
ـ سأوصلك إلى إحدى القرى المجاورة .
ـ وأنت ، ماذا ستفعل ؟
ـ سأتدبر أمري .
ـ ولماذا لا تذهب معي ؟
ـ لا أستطيع ذلك قبل أن أقتله .
ـ ولكنك لا تستطيع عليه .
ـ يكفيني أن أقوم بما يمليه علي واجبي . ثم ألم تقولي إنه لا يقوى على الحركة إلا
بصعوبة ؟
ـ نعم ولكنه وحش رهيب ، تحيط به العفاريت من كل جانب .
ـ لا يهم ، لا يهم .
وناما ليلتهما هانئين ، سعيدين . عند الصبح سمعا حركة وجلبة . نظرا من النافذة
فإذا العفاريت تحيط بالبيت من كل جانب . قبل أن يتمكنا من تسوية أمرهما دخل
العفاريت الكوخ مدججين بالقرون التي كأنها رماح مخترقين بها صدره الذي راح ينزف
دماً ، أما هي فقد اقتيدت أسيرة إلى حمروش المعطوب .
