ولمّا أطلق القطار صفّارته الأخيرة إيذانا بالانطلاق ، امتصّت ّالفضاءات الوسيعة
الظمأى عويله المترع برعشات الوداع ، فانكمش جوان على نفسه ، وأغلق عينيه ؛
منسحبا نحو الأعماق القصية للنفس ، يتمترس بجدرانها الكتيمة ، على أمل الهرب من
التفاصيل المحكومة بلوعة الغياب ، فيما انسربت أفكاره خلف الأيام الهاربة والأحلام
الموؤدة بالقلق و الخوف !
فجأة علا صوت قرع على الباب ، فانتزعه من معتكفه المبهظ بالصمت ، وتراجعت
الهواجس - التي كانت تنغل في رأسه كقرية نمل - إلى حين ، و مع تدافع الصوت المحايد
الرتيب :
-التذاكر ياشباب .
ارتفعت عيناه المسبلتان على أشجان كانت قد ثوت في القاع كما ظلمة كثيفة ، وإذ
شرع صوت القطار يتوحّد بوجيب القلب ، امتدت أصابعه الراعشة الى جيبه ، ثمّ انسلّت
تجرّ بين السبّابة والإبهام ورقة مهترئة الأطراف ...
( الاسم والشهرة : جوان محمد
اسم الأب : محمد ،اسم الأم : خنسي )
وعلى الزاوية العليا منها ، إلى اليسار ، انزوت صورة قديمة ممهورة كتب تحتها (خاص
بالأجانب ) !
( المادة الخامسة عشرة :
1- لكلّ فرد حقّ التمتع بجنسية ما .
2- لايجوز حرمان شخص من جنسيته تعسّفا
، أو إنكار حقّه في تغييرها.
الميثاق العالمي لحقوق الإنسان )
تأمّل الشرطيّ الورقة الغريبة بحيرة ، وقال :
سأعرضها على رئيس الدورية ليبتّ بصلاحيتها (1)
تقلقل القطار متحركا ، بينما أنشأ إحساس حاد بالانكسار يمور في الأحشاء كحرف نسلة،
يرض ّالنفس المكروبة ، يجرحها..
( إلى أين أيّها الكرديّ المتعب ، الطالع - بحسب الآخرين – من باطن الأرض كفطر
سام ، الهابط من مجرّة أخرى – ربّما – كيما يصابوا بالدهشة أو الامتعاض من وجودك
المقلق !
( مقام اللجنة المركزية للإحصاء : مقدّمه جوان محمد ابن محمد ، من أهالي قرية تل
حبش ، التابعة لناحية عامودا.... علما بأن والدي كان يقيم في هذه القرية ، كما كان
جدّي _ من قبل - مقيما فيها ، وتوجد في حوزتنا سندات تمليك تعود
إلى أيام العثمانيين ... لكلّ ما تقدّم أرفع إلى مقامكم طلبي هذا راجيا إعادة النظر
في وضعي ، وإدراج اسمي في لوائح المواطنين ، أسوة بغيري منهم .
ولكم الأمر سيّدي
المستدعي / الطابع والتوقيع )
( غريب أنت ، والمحطّات موصدة في وجهك أو مرصودة ، فكيف تتدبّر المبلغ المطلوب ؛
مقابل أن يدرج اسمك في خانة المواطنة ، وأنت العاطل أبدا ، المتبطل بالإكراه ؟! ليس
ثمّة دراهم ، إذن ليس ثمّة مواطنة ! معادلة عجيبة ! إذ هل للمواطنة أن تعامل كاللبن
أو العصفر أو الصابون ! ولكن أنت لست نيزكا هوى من سموات قصيّة ، ولا كائنا مجهولا
لفظه كوكب بغيد نحو هذه البسيطة ! ثمّ أنّ الحجارة لاتلد بني آدم ، فلماذا يوهمونك
– مع كلّ خطوة –بأنّك غصن اجتثّ عن أصله !؟ )
( إلى المستدعي جوان محمد ...لإبراز مايثبت بأنّك غير محكوم ، وبيان قيد من السجل
المدني؛ مدوّن فيه عبارة عربي سوري منذ أكثر من خمس سنوات .
مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل الخاتم والتوقيع )
( ومن اجتثّ من جذوره ؛ لن يتسنّى له أن يبرز ما يثبت بأنّه" غير محكوم" ، لأنّه –
أساسا – لايحمل " بيان قيد " يمنحه شرف الانتماء إلى بلد جبل ترابه بعرقه ودمه
ودموعه ، بلد منحه خبزه وزيتونه ونبض الأرض ، فلم يبق له إلا غربة داخليّةتصلب
الروح إلى متونها، ولو أنّ هذا الاجتثاث جاءك من الأتراك لعذرتهم ، ذلك لأنّهم
لايعرفونك جيدا!
الملغز في الأمر أنّه جاءك من الأشقاء العرب ؛ الذين اقتسمت معهم الرغيف وعشب
البرية وضريبة الدم ! والأكثر إمعانا في الالتباس أنّ ما وسم بمروحة اليسار في
البلد لم يضعك في مغازيه ، ولاكانت معضلتك – يوما – على سلّم أولوياته! هناك في ما
يسمّى بالعالم المتحضر ينسبون الكلاب إلى أروماتها ، ويمنحونها هويّة ، بينما تنكرك
السجلات في بلدك ككائن أجرب ، فلا تساويك – حتى – بماشية رعاتها التي تدوّنها كشرط
لحيازة المراعي !أما أن تسقط أسماء أدى أصحابها خدمة العلم – سهوا أو عن عمد – في
خانة اللاجئين أو مكتومي القيد ،فتلك كانت المعادلة التي تذهب بالعقل إلى حافات
الجنون ! وتظلّ الأسئلة المحيّرة فأسا معلّقة فوق الرأس ؛ أن لماذا تعمد الحكومة
إلى تغيير أسماء القرى الكردية !؟ لماذا وضعت يدها الثقيلة على الشريط الحدودي ،
ووهبت كثيره للفلاحين الذين استقدمتهم من حوض الفرات الأوسط، غبّ أن غمرت مياه
السدّ الكبير أراضيهم !؟ و لماذا عمدت أجهزتها إلى فصل الطلبة الأكراد من المدارس
والمعاهد ، وهم في مقتبل الدرب مايزالون !؟ أيمكن لشباب غضّ التجربة أن يشكّل خطرا
على أمن بلده!؟ وأيّ نوع من الخطر !؟ حسنا ، أين يذهب هؤلاء بأنفسهم ، وأيّ مستقبل
مبهم ينتظرهم في غد قريب !؟ وبعد ! ؟ لماذا حينما ينادى محمد ب : " ممّ " ينبض
الغضب في الشرايين ، حتى لكأنّ مايعطيه اللّه للإنسان يحق لأخيه الإنسان أن يحرمه
منه !؟ أهذا كلّه لأنّك ولدت كرديا ! ولكن هل تضع الفرس آلا فرسا !؟ أليس هذا في
طبيعة الأشياء؟! فإذا تململت ، أو بدا عليك ما يشي بالتذمّر ؛ لاحقتك التهم الجاهزة
، يلصقونها بك كيفما شاؤوا ، فيداخلك الإحساس بأنّك وحيد وأعزل في مواجهة أجهزتهم
وشرطتهم ومخبريهم السريّين ! ألهذا أدمنت الصمت ، أم أنّك التجأت إلى عبّه لتتجنّب
الكلفة الباهظة للكلام ؛ تاركا نفسك لخراب الدورة الدمويّة ، وتحوّل الأشياء ، وهي
تمسخ إلى كمّ بيولوجيّ رثّ ومهمل !؟)
( المادة الخامسة : لايعرّض أيّ إنسان للتعذيب ولاللعقوبات القاسية أو
الوحشية الحاطة بتالكرامة
الميثاق العالمي لحقوق الإنسان )
( قد يكون استيلاد هراوات من الأشجار ، أو حفر أنفاق في الجبال ، أو تغيير مجاري
الأنهار ، أو – حتى – تجفيف الينابيع في حدود الإمكان ، لكنّ الكردي سيظلّ – إلى
أبد الآبدين – كرديا ! و حتى إذا حاول إخفاء جذوره، فانّ لغته المكسورة ، وسحنته
التي تلازمه كوشم ، ستكشفانه ! )
خببا كانت المشاهد تتوالى ، وفي الحدقتين- اللتين كانتا تريان ولاتريان – انعكس
الخرّوب والصرّ متناثرا على المفارق ، مغيّبا التربة الصفراء الباهتة . كان القطار
قد تجاوز مدينة الحسكة ،ومن خلل الروابي التي راحت تتقهقر إلى الوراء بسرعة ، انبثق
وجه زوجته المسكون بأسى ذاهب في المسام ...
والآن يا جوان !
لاجواب ..
(ولكن أنت مطالب بالدفاع عن أنثاك أيّها الكردي ، انّه ارث الأجداد ، فكيف لك أن
تفعل ، وأنت عاجز عن التحصّل على عمل ! أيّ عمل !؟)
عبر الوجنة تحدّرت دمعة حارقة كابرت طويلا ، ربما لأنّ صورة بعينها أخذت تضغط !
كانت تلك صورة ابنه الوحيد الذي انخرط في نشيج حاد ، بعد إذ أفلتت يداه الغضتان –
عنوة – ركبتي أبيه!
( المادة الثالثة والعشرون :
لكلّ شخص حقّ في العمل ، وفي حرية اختيار عمله ، في شروط عمل مرضية من الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان )
( إذن هي الأزمنة الممضّة تحلّ ، والوجوه الأنيسة المشغولة من شغاف القلب وشغف
البراري ظلّت وراءك ، بعد أن كان فراقهم - في وهمك – معادلا للموت ! فهل ستعود إلى
المحطات الأليفة ،الحبيبة إلى القلب !؟ وهل تلقاهم – الأحبة – ويلقونك ، ليعود إلى
المحيط - المسرف في استنزاف مشاعرك – انتظامه !؟ وهل تمنحك –بيروت – هذه مامنعه عنك
بلدك، أم أنّك ستعجز عن إيجاد زاوية للنوم فيها ؛ تماما كما كانت الحل مع فنادق حلب
أو دمشق ، آن كانت ظروفك تضطرك للسفر ؛ في ظلّ لاهوية !؟هل تسيء حقا إلى سوريا –
التي تعشقها بلا حدود- عندما تسمّي الأشياء بأسمائها الكردية !؟ ولكن أوليس الكردي
بعاشق للأرض والمرأة ، فكيف لعاشق أن يسيء إلى الأرض ، وهي صنو المرأة والكرامة ،!؟
الا أن ّمن لم يقيّض له أن يتملّى وجه عذراء كردية ، مجبولة بالدم والكبرياء
والأقاحي البرية وخبز التنور وغسق البحر ودهن اللوز ، لن يتسنّى له أن يفهم ! وبعد
أيها الكرديّ المتعب ! أيظل الخوف يغشاك ، وأنت تحتفي بعيد النوروز!؟ أتظل ذكرى تلك
الغرف الباردة المعتمة ، التي تحاول أن تتّشح بأنفاس بشرها الفرحين و الخائفين بآن
ماثلة في الذهن ،تلاحقك أنّى كنت ، إلى جانب أخيلة البشراللاهثين المتسللين تحت
جنح الظلام نحو مرتفع ما لإضرام نار !؟ لكم هي بشعة" السرانية " ! أتظلّ تتلفّت
حولك وأنت تسر ّبكلماتك الكردية مخافة أن يسمعك الآخرون ، الذين يضعونك - سلفا –
على لائحة الاتهام، لالشيء إلا اّلاعوجاج في لسانك! ترى أكانت الحال تختلف لو أنّك
أدرت ظهرك لسورية وتركيا ، ويممت وجهك نحو إيران ، أم هي الحكومات تتشابه في كل شيء
، تتدفق أو تختصم ، إلا في ما يخصك ، ذلك أنها - آنئذ- تتحد في سطر واحد !؟ ولكن
لماذا يحشرونك في مضائق الموت ،ليضعوك على مدار الكراهية نحو بشر أحببتهم بكلّ
مافيك من قوة !؟ المهم في المسألة أن تغادر جلدك ، أن تستعير جلد الآخرين ! ليس
ثمّة تثريب إن شعرت بالبرد ، أوبدوت مضحكا أو منفّرا ، فليس هناك من يكترث ! ثمّ
ماذا لو أردت أن تدافع عن بلدك المضرج بوحل الهزائم، إذ ليس من المعقول أن تجثم فوق
حطامه ، وكأنّ الأمر لايعنيك!؟ لاتقل - مثلا – بأنّك ستتلقّى جوابا من وزارة الدفاع
؛ تأسف فيه لرفض طلبك بسبب ممّا ذكر أعلاه ! يا اللّه أهذا ممكن !؟أيحولون بيتك
وبين شرف الذود عن الأرض التي ارتبطّت بها بحبل السرة !؟ البلاد التي تركض على أمل
الإمساك بالشمس ستتركك- إذن – رهين إحصاء جائر ، إحصاء قامت به حكومة وُسمت – في ما
بعد من قبل الحكومات المتتالية – بالانفصال و الرجعية، ليرين على المستقبل ثوب من
القلق و الإبهام!وليضَيّق عليك – من ثَمّ –في كلّ جانب ، فلا بطاقة تموينيّة تتيح
لك أن تشتري جعالتك من السكر و الرز وخلافه بالسعرالمخفّض، ولا فرصة واضحة لعمل
كريم ، أو للاستفادة من قانون الإصلاح الزراعي في التحصّل على قطعة أرض ، ويبدو –
واللّه أعلم – أن لاأمل في الخلاص من معاملات الترخيص السيّئة الصيت (3) العجيب أن
ّهذه الحكومات المتتالية لم تتفكّر في رفع مالحق بك من غبن ! ناهيك عن الانتهاك
المضمر لحقك في أن تشغل منصبا هاما ، أو تحتلّ وظيفة ذات حساسية سياسية، اللّهم ألا
إذا تماهيت في الآخر ، وهاهي لغة أخرى تفرض سياقها عليك بذرائع شتّى ، مرة سعيا
وراء وظيفة تنأى ، ومرة لأداء فرض دينيّ ، ومرات للتفاهم مع الآخرين ! وها أنت ترى
في ما ترى شهابا يهوي فلا يعود لك – مابين اعتكار الدم المحرور ، والبلاد التي ما
عادت لك- سوى ذاكرة تلوب في البحث عن النديّ من الأخيلة ، وتسقط في الرجعى ، تكتظّ
الجمجمة بدماملها ، ومن الأعماق تنهض صورة الزوجة والابن باهتة ، فلا تتبيّن إن كان
ما يعلو الملامح ابتسامة تسليم عاجز ، أم عتاب متفهّم ، بينا أذيال الصغير الكالحة
تنكأ الجراح ، فتضرب جدار العربة بقوّة ! ربما لأنها الطريقة الوحيدة للتعبير عن
الغضب الأعزل والألم ، حينما لايكون ثمّة سبيل آخر ! )
الرأس تدور ،والقطار يدور، والعالم يدور ....
تفضّل ، لابأس !
مدّ الشرطي ّيده بالورقة ، وبهدوء أعادها جوان إلى جيبه . عبر الزجاج كان العشب
البري يتّصل بالمزارع و الحقول المتناثرة على ضفاف الفرات ، يتخلّله – هنا و هناك
–شيء من ورد الخذراف ، و هربا من الأسئلة العنيدة الضاغطة ، وضع رأسه على حافة
النافذة ، و ضغط جبهته على زجاجها بشدّة
.

الهوامش:
(1)الإجراءات المتخذة بحق أكراد
سوري غبّ إحصاء 1962 ، ليست معروفة في المناطق السورية كافة ، لاسيما تلك التي تخلو
منهم .
(2) كانت الدوريات التي تدقق في
تذاكر السفر ، وبطاقات الهوية مشتركة بين العاملين في مؤسسة السكك الحديدية ورجال
الشرطة أو الأمن .
(3)تحال معاملات الأراضي الزراعية
، التي تتضمّن تسويات داخل حدود الأسرة ، كأن تتنازل الأم- بعد وفاة زوجها- عن
حصّتها لصالح أولادها، إلى وزارة الدفاع؛ على أساس أنّ الحسكة محافظة حدودية ، لكنّ
معاملات الأكراد تعاد دائما مقترنة بالرفض ، لالشيء ! بل فقط لأنّهم أكراد ، ما
يعطي هذه المعاملات بعدا سياسيا .