الزمن الجريح
(1)
وقف سمير حيال قبر أحلام، وفي صدره
هموم، وتفكير جثاً على ركبتيه، ماداً يديه فوق القبر، كأنه يضمها، ثم ألقى أزهاراً
عند رأسها، وبصوت خافت قال:
- أحببتك، ولا أزال أحبك.
بأسف شديد قالت ليلى، وهي تحاذي ضريح
أختها، وبيدها وردة صفراء:
- لقد تأخرت يا سمير.. تأخرت كثيراًَ.
انتحل عذراً، وأقسم أن النوم لم يلمس
أجفانه حين علم بانتحار حبيبته..
كانت على مقربة امرأة أجنبية، في بنطال
ضيق، حاسرة الذراعين، يتموج شعرها بلون بنفسجي، وفي نظراتها مرح.
بتهكم ممزوج بالتحسر، قالت ليلى:
- خسرتها.. ولكن، ربحت صفقة حب جديدة.
استدارت ليلى تمضي في الطريق.. نظر
سمير إلى البلد، قال يحدث نفسه:
عجباً، لقد تغير كل شيء، امتداد في
البنيان، اتساع في الشوارع، مظاهر تبدلت بأخرى، تحرر ينتشر بين الناس.. تملكه إحساس
بالندم، واللوم، قاوم البكاء.. ثم التفت نحو زوجته قائلاً:
- ديدي: هل أنت سعيدة معي؟
بكلنة أجنبية قالت وهي تبتسم:
- سعيدة جداً، جداً.
- لكنني أحببت، وشغل قلبي بغيرك في السابق.
- شيء عادي، في بلادنا لا نتزوج إلا بعد تجارب عدة.
- ما تقولينه ليس حباً، هو وهم.
- الحب يتجدد في كل زهرة.
- والزهرة الأولى؟
- تذبل، وتخلفها أخرى.
- والإخلاص؟
- لا نعرفه كما عندكم.
الشاهد فوق القبر، حفر فيه اسم أحلام،
وتاريخ ميلادها، ووفاتها.. وأزهار تبعثرت على جوانبه.. تساءلت ليلى بشفقة:
"هل يشمل الله برحمته إنساناً أنهى حياته بالانتحار؟... غفر الله لك يا أختي"
أيقظ الموقف ذكريات، شخصت أحلام من
خلالها بمراحل حياتها المتلاحقة، تتحرك من خلال الأحداث، والتجارب، ثم لتستريح عند
مصير محتوم..
* * *
الطريق طويلة، والقمر يراقب المسافرين
من شقوق الغيوم، والوقت يلهث، والعربة تغذ السير.. أجساد نائمة، وأخرى ذابلة، تلامس
عيونها الطريق، وتعد أنفاس الوقت، والطريق يبتلع عربات تترك زفراتها دخاناً يهرب
إلى الفضاء، والأفق يتسع، ويمتد آفاقاً عبر آفاق،.. وعين القمر تلامس بأنوارها
الأشياء، والبراري، وتلثم الآكام، والصخور.. قد يختفي وراء الغيمات، ويتلصص من
شقوقها، وقد ينسل برفق بنوره من خلال زجاج النوافذ، يداعب الوجوه، والأعين الراقدة
الحالمة، ويعكس ظلال الأشياء، تتراكض خلال العربة، يلحق بعضها بعضاً، والرؤوس
تتأرجح فوق الأكتاف.
أحلام تراقب، وتتساءل:
"هل الإحساس مات، أم هي الهموم ركدت وماتت؟
هل النوم ظلال، وأين ترحل الظلال؟"
ودع القمر المسافرين، وراح يرقد وراء
الأفق، بتحسر زفرت، وهي تقول:
"هل كان الوطن يضيق بنا، أو نحن نضيق به، فنهجره؟
لماذا لم نصبر على البلاء؟
كلنا نحتاج إلى تغيير، مهما ابتعدنا
عنه، فلن نستطيع أن نهرب منه، هو يلبسنا أينما نكون.. نهرب بإحساسنا فقط.. نسافر،
يدور معنا، وندور معه.. نهرب إلى الغربة، وفي داخلنا شوق، وحنين وألم، ولوم"..
بمرارة قالت:
"هل خذلناه يا ترى؟"
النوم يبسط جناحيه على الركاب، والذكرى
تلو الذكرى توقظ أحلام وتجعلها في حالة مريعة، وصراع عنيف مع نفسها، وتسخر من
الظروف القاسية، وتتساءل:
"لماذا لم نستطع اجتياز المحنة؟.. هل نحن جبناء؟... ربما."
استحوذ عليها الندم، كأنها المشردة
الوحيدة..آه: من يصنع مصائرنا؟
كان رأس ليلى يتأرجح فوق كتفها، فتحت
عينيها، بصوت ناعس، سألت:
- ما بك يا أحلام؟
- دعيني بحالي.. فقط أفكر بالأحداث، والمآسي التي دفعتنا للرحيل من نابلس.
ثم عادت إلى الشرود، والذهول.. الأحداث
المتلاحقة أثارت شهيتها للتخيل، والتذكر، وهي ترى الخدر يستولي على المسافرين،
ويهربون من الواقع الأليم، لهم سمات واحدة، تجمعهم محاور الألم، والقلق، والشتات،
فتحت الأم عينيها القلقتين، ومسحت دمعات حركها الأسى، تمنت أن تغفو قليلاً، ولكن
ذكرى مشاهد الفواجع حالت دون ذلك.
توقفت العربة عند مدخل بلد مجاور، بدأ
ضجيج الكلمات يرهق الآذان، والساحة تموج بزرافات من القادمين، والصخب يملأ المكان،
ويتحرك مع حركة الموج الزاخر، الباحث عن المأوى، وشيئاً فشيئاً اندثرت الأصوات مع
أصحابها.
كانت الأم وابنتاها يتفحصن الوجوه،
يبحثن عن خيري الذي سبقهن مع أسرته، ثم شعرت أحلام بربتة خفيفة على ظهرها، وصوت
يهتف:
- تعالين بسرعة، لا تتمهلن، أنا بانتظاركن.
بهدوء نظرن إليه، وقلن:
- ونحن بانتظارك أيضاً.
بدت اللهفة ممتزجة بالحيرة، وهن
يتساءلن:
- إلى أين ستأخذ بنا في هذا البلد الغريب؟
لم يكن ليخطر ببالهن يوماً ما، أن
يتركن الوطن بهذه السرعة، ومع الهزيمة، والإحباط.
سألته الأم، وهي تلوك كلماتها بضيق:
- إلى أين يا خيري؟ البنتان مرهقتان.
- اطمئني.. ستكونان بخير، فقط اهدئي.. هيأت لكن المأوى، قريباً من المدرسة والسوق.
لم تستطع أحلام النوم هذه الليلة،
التجربة كانت مذهلة للغاية والبيت بارد، لم يستر أرضه سوى حصير من القش، وبعض
المفارش اتكأت على الجدران.. كانت الأم تتنفس، وكأن صخراً يعلو صدرها، قالت تخفف عن
ابنتيها:
- الشكر لعمكما خيري، البيت واسع، وفيه ما يلزم، فقط استسلما للنوم.
تنهدت أحلام، وهي تقول:
- هل بإمكاننا النوم يا أمي؟
- حاولي يا ابنتي، وتناسي كل شيء.
- لا أستطيع، الصمت يعذبني، دعيني يا أمي أثرثر، وأفرغ ما في نفسي من ضيق.
بصوت متردد، يشوبه التصنع بالهدوء،
حاولت الأم أن تقول شيئاً، أن تواسي ابنتها، كي تخفف عنها لذعة الفراق، وألم التهجر،
ولكن الكلمات لم تسعفها، كانت دموعها تسبقها، فتبادر إلى مسحها بطرف كمها، يقذفها
الإحساس بالقهر، يعذبها، ويجعلها مسكناُ للآلام.
غفت ليلى على عذابها، أما أحلام فمثل
الحدث المروع أمامها نشطاً بأنفاس ملأى بالرعب، تطل من ثنايا الأمس القريب، انفجرت
ببكاء مرير، سدت فمها بكفها، لكن شيئاً منه تسرب من بين أصابعها، اقتربت منها الأم،
وبحنان قالت:
- نامي يا ابنتي، لا تفكري كثيراً.
- سأحاول.
- قد نجد الأمان هنا.. بلا شك.
شعرت بدموع باردة تملأ عينيها، وهي
تسترجع الأحداث، قلبت وسادتها الرطبة بالدموع، جعلتها البرودة تحلم، لقد سقطت مشاعر
بلا ألم، وعندما استيقظت في الصباح، كانت الوسادة ما زالت مبللة، وكانت ما تزال
تبكي، وهي تتذكر جرافات العدو تهدم البيوت، والرياح تذرو الأتربة، ومن بينها رأت
أباها قد أصيب بطلقة نارية، وزحف بدمه إلى المنحدر، وبيده بندقيته.
كانت تعيش الألم، والقلق وهي تتذكر
البيت الذي أضحى أنقاضاً في وطنها الذبيح، سيجته الذكريات، كان يقوم على ربوة مطرزة
بالخضرة، بين جبلين شامخين، يتوارد إليها الأهل والجيران، تضحك لهم الشمس، ويضيئها
القمر، كثيراً ما كانت تلعب فوق المنحدر، وترتقي مع أترابها فوق السفح، والطيور
تغرد، والأغنام تثغو.. لقد زودها البيت والربوة، والعشب، والزهر بحب الحياة.. وما
كان الأطفال يتكدرون وهم يلعبون، ويمرحون، ويتعثرون ضاحكين، زودهم الجبلان،
المرتفعان بالحذر الشديد.. كانوا كالفراشات فوق الربوة.. في الوطن تتواثب الحياة
تواثباً، يبتسم صباحها وأصيلها وإذا ما أقبل الليل وانتشرت الدجية، كان الائتلاف في
وقت السمر، يغمرهم الأنس، وتدور بينهم الحكايات عن أزمان قد مضت.
تنهدت وهي تقول لليلى:
- لا يمكن أن أنسى ذلك الزمن، حين كنت أسند مرفقي في حضن أبي وأمي، وبلذة أسمع
وأستمع وكأنني أعيش في ماضيهما.
شاركتها ليلى الذكرى، وقالت:
- أفي لمح البصر نفقد كل شيء؟.. ماذا حل بنابلس وبروبتنا؟
- لقد تغيرت الأشياء في الواقع، وما تغيرت في نفوسنا، جرفتها جرافات العدو، ليقيموا
مستوطناتهم.
- أذكر حين حمل أبي البندقية كي يردهم لكنهم هم الذين أردوه قتيلاً.
طمرت أحلام وجهها في الوسادة، تردد
قائلة:
- لم رحلت يا أبي، نحن نحتاجك كثيراًَ.
تسرب إلى سمع ليلى فحيح بكاء، ونشيج في
رحم الليل، مشت على أطراف أصابع قدميها، وهي تلملم ذيل ثوبها بيديها، اقتربت من
الغرفة المجاورة، ومن خلال بصيص ضوء خافت، رأت أمها ساكنة بخشوع، مادة كفيها
النحيلتين، مرهبة الروح، تشكو سوء الزمن، وتهمهم بدعوات، وتدعو لفرسان الله في
الوطن الممتهن، الذين لاذوا بالله، ينشدون عنده القوة والنصر.
بقيت ليلى تختلس النظر، تشاركها
دموعها، اقتربت من أمها، لامست كفها الباردة كتفها، وبهدوء ورجاء قالت:
- لقد تعبت يا أمي، جسمك لا يتحمل، والله سبحانه يسمع أنينك ودعاءك.
ساعدتها في النهوض إلى فراشها فوق
الحصير، دثرتها بدفء وهي تقول في نفسها:
"هل الدثار يدفئ قلبها؟.. ما أظن".
كانت الأم تتذكر زوجها في لحظات ما قبل
الفراق، لحظات فقدت فيها كل شيء، نظرت إليه قبل الوداع، وبدهشة تساءلت:
"أين تمرد نظراته؟.. أين شموخه وإباؤه؟.. وذلك الدم الذي كان يفور في عروقه؟.. أبعد
كل ذلك يمرغ جسمه في التراب، وتسكن جوانحه؟.. ويفرق بينه وبين بندقيته؟"
لحظات رعيبة فقدت فيها الزوج، والبيت،
والوطن، تركت جراحات في القلوب ساخنة، وأنفاساً تتكسر.
قالت لابنتها:
- نحن الآن في أرض غير أرضنا، ووطن غير وطننا.
بحدة أجابت ليلى:
- هذا وهم يا أمي، نحن في جزء من الوطن الأكبر الذي قسمه المستعمر إلى دول، كنا أمة
واحدة، وقلباً واحداً، وسنبقى كذلك، علينا أن ننسى بإرادتنا الفكرة الوهم، ونتصالح
مع أنفسنا، وننسج بأحلامنا حاضراً جديداً، بطريقة مختلفة.
اقتربت أحلام منهما قائلة:
- الحياة لم تتوقف، إنها تنهمر بداخلنا، وتتدفق، ولكن، هل يوقفها الأسى، والتذكر؟
قالت ليلى:
- أكره الإحباط، ليس هذا من طبعي.
- ولكنك تتكلمين وأنت ترتعشين.
- لا أنكر ذلك ذكرى أبي، وبلدي تدور في ذهني، وتلقيني في ذهول مرتعش.
تابعت الأم، والدموع تنهمر ساخنة على
وجهها:
- هل أنسى لحظات الوداع؟
مر صمت ثقيل، ثم قطعه صوت أحلام، يقول:
- أتيت بجسدي إلى هنا، وخلفت روحي مع أبي، والوطن، تأخذني الذكرى إلى طفولتي، حين
كنت أركب على كتفه، وأتعلق بعنقه، أو أشد شعره، وأمي تكركر قدمي، وأنا أتحرك وأضحك
وأكاد أقفز، وأبي يخشى علي من الوقوع، فيمسكني، ولا أبالي بشيء أضحك ويضحك أبي
وتضحك أمي.
نظرت أحلام حولها، أحست بأحلامها،
سافرت بسفرها، وضاعت، وآمالها تتعسر، وأمامها سفر طويل بلا هوية، وإلهام داخلي
خفي، ولكن.. إلى أين؟
وضعت كفها على عنقها، وهي ترتجف وتقول:
- أوشك أن أختنق، أرى زمني يتوقف، هل أبي يناديني بشوق إلى عالمه؟
صرخت:
- وأنا بشوق إليه، حياتي من دونه ميتة، بلا معنى جميل، حياتي ألم وحزن، أليس هذا هو
الموت بعينه؟
قالت ليلى تهدئها:
- إنها مشكلتنا جميعاً.
بحرقة قالت أحلام:
- أعيش في ظلام نفسي.. كيف نترك الوطن هاربين، وهو يتعذب؟
- حاولي أن تنسي.
- ما شاهدته لم تشاهديه، كنت أحوم حول أبي كالنحلة حول الفراشة، وكالهرة تتمسح
بأهداب ثوبه.. تركناه ودمه ينزف، يروي التراب، والدمع يسيل من عينيه من غير بكاء،
ووجه يتشح بالذبول.. آه ماذا أقول؟ غرست الذكرى في نفسي صورة لا تمحى.. ذكرى في
أحلى سني عمري.. كنت كزهرة تشتاق لقطرات الندى ليفتحها، كلماته لن أنساها حين كان
يرددها أمامي: "أنت موهوبة يا ابنتي، سأكون بجانبك لمستقبلك.." هل أصبحت ذكرى تردت
في دروب الضياع؟.. هل أرد ما حصل إلى حظي التعيس؟.. لقد شتت الخواء قواي.
بدهشة قالت ليلى:
- لم الخواء يا أختي؟ املئيه بالتفاؤل، وبالدراسة لتأمين مستقبلك. لا تيأسي، فعطاء
الله يغمرنا، صحة، وعافية، وسلامة أعضاء، وعقل، ماذا ينقصك سوى الإرادة لتتغلبي على
مشاعرك المتشائمة؟.. كل شيء له أجل.. أروي نفسك من عطاء الله الذي حباك به، وله
علينا ظل ظليل.
- نحن الآن غرباء في غير أرضنا، ليس لنا ذكريات فيها.
- البلدة عربية، إسلامية، وهي جميلة، تدعونا إلى البسمة، والتآلف مع المحيط، فيها
البحر يموج، وشاطئه يحتضنها، والجبال راسية في أطراف البلدة، والينابيع فوارة،
والزروع في كل حقل وبستان، وشعب محب للغرباء.. الطبيعة كتاب مفتوح، يدعونا إلى تدبر
آيات الله فيه، تذكرنا بنابلس، بروابيها الخضر، وبكل شيء فيها.
- وهزيمتنا في الوطن؟
- إن كنا نعيش اليوم في نكسة، فلكل جواد كبوة.
قالت الأم وهي ترى شدة قلق أحلام على
الوطن، وذعرها على مراتع صباها:
- لا تقلقي، ستعتادين على البلد، ولكن قد يستغرق وقتاً.