الزمن الجريح 8
الشيوعية دفعت أحلام إلى التحرر،
والاختلاط بين الجنسين، واتباع الشهوات، كانت تميل إلى ذلك كله، دون الانغماس في
حزب معين، إنما هو رد فعل تجاه الواقع التي هي فيه،... نفسية ممزقة، ثم مشاعر،
وهوى، ورغبة في الحب، وأم واهية تغزوها الأمراض، وليلى تتحمل شيئاً من المسئولية
إلى جانب ما خصصه العم خيري من نقود شحيحة، وأحلام تحلم بأحلام في الأرض، ويملأ
عطفها الأوهام.. ترى التقاليد تلبس المجتمع، وتلبسها هي، وتدفن عالماً آخر داخلها
تتشبث به، تستمتع باستغراقها فيه.
نظرت إلى ليلى في حجابها، سألتها:
- أراك تسيرين وراء التقاليد، وتغلقين نفسك داخلها.
- إنها من قيمنا، وفضائلنا، تجعل المجتمع محترماً، تكون المرأة في الحجاب متألقة..
- الحجاب سجن، وموت.
- هو حرية معقولة، وحياة سليمة من الفساد... ثم جنة عرضها السموات والأرض، أعدت
للمتقين.
- ألا تشعرين بالحاجة إلى التطور؟
- هذا انفلات،إذن سيكون مصيري الضياع.
- تأملي حياة الغرب، هل المرأة في ضياع؟
- أجل، تائهة، ضائعة، لذا يكثر في الغرب الانتحار، لأنهم يلتصقون بالأرض فقط.
توقفت عند هاجس روعها في كلمة انتحار،
كانت كرصاصة تنطلق من بندقية، لتستمر في عنق الحياة.
بصوت خافت سألت أختها:
- كيف أتخلص من هواجسي،... تكاد تخنقني.
- بالتقرب إلى الله سبحانه.
- ولكن..
- ماذا؟
- سبق أن قلت: غير مقتنعة بالغيب.. لا أخفي عنك شعوري، كأنني أمشي حافية القدمين في
صحراء واسعة، تلقي بي الريح في مكان سحيق، أبحث عن ماء فلا أجده، وعن نبات فلا أرى
غير الشوك،.. لا أحس بما تذكرين في نفسي.
- صدقيني، إنه موجود في نفسي، ونفسك، ونفوس الآخرين، لا ترينه.. موجود في الصحراء،
في واحات خصبة جميلة، بنبع ماء، وشجر، وثمر، يرتاح عندها العطشى، وعابرو السبيل في
الحياة... الدنيا تعب وعقبات، ولكن أرواحنا تذللها باللجوء إلى الإيمان، فترتاح
عنده، وتشفى.
كانت ليلى تقف ورأسها بمحاذاة القفص
المعلق بالجدار، وطيرها يغرد، ويقفز بحركات صاخبة، تحدثه، فيرد بنغمات مرحة.
- انظري يا أحلام، إنه طائر بديع، أليس كذلك؟
- بلى،... لكن خسارة.
- لماذا؟
- سيموت، وتحزنين، ويبقى ذكرى مؤلمة.
- تفاءلي.. مصيرنا كلنا إلى الموت.. الحياة ستفنى بمن فيها، ثم الانتقال إلى الحياة
الآخرة.
لطمها التعبير.. تركتها مع طائرها،
ودخلت الغرفة، ضيقة الصدر، وهي تردد باشمئزاز: حياة أخرى.. ما أسخفها!
لحقت بها ليلى:
- لم هربت؟
- أريد أن تكفي الحديث عن الإيمان، والآخرة، و..
- لا يمكن، لأنه ذو صلة وثيقة بالعقيدة.. هداك الله.
نهضت ليلى، آسفة على ما بأختها من
ضلالة، وضياع.. وفي الليل تستسلم أحلام للدجية، تتهادى مع أفكارها الغريبة شيئاً،
فشيئاً، ثم توشك على الانهيار، ويأخذ بها الاستغراب، تتساءل:
"لماذا لا تقتنع أمي، وأختي بمبادئي؟... أليس هذا غريباً؟"
ثم تتفجر أنوار الصباح، تنهض، ومظهرها
يوحي بالتماسك، والقوة، ولكن نفسها متناثرة، فأفكارها تفتتها من الداخل، نار بلا
دخان.
كانت كثيراً ما تشعر بالكآبة لما يعتمل
في نفسها من الهواجس، والاضطراب، تحتاج إلى من تحدثه بهمومها، قالت لها ليلى:
- أنا مثلك، ولكن تجاوزت الصعاب بإرادة، وسلام، واستقبلت الحياة بطيبة، وحمدت الله
ربي، أما أنت فتركتها تستحوذ عليك، وما تزالين في فجر حياتك، أتعبت نفسك، وأتعبتنا
معك، أردت تغيير مظاهر حياتك، وعجزت عن تغيير ما بداخلك، وتمردت على الجميع بأفكار
غيرك.. وقانا الله منها.
- البلد عقيم.
- مخطئة في فهمك لها، فيها تراحم، وتواد، وعدل، وحق، وخير، حرري قبلك من الخوف،
ونفسك من الجبن، وعزيمتك من التردد، واملئي قلبك بالإيمان... الدنيا متاع قليل،
كانت زمناً، وغدت لحظات يسيرة، يا ويلتنا! نخطط، ونخطئ التخطيط.
- لماذا؟
- لأننا نخطط للأرض فقط، وليس لما فوق الأرض، نعيش بأفكار الآخرين. ونوغل في الوحل
شيئاً، فشيئاً، ثم ندعي بأننا مظلومون، مسلوبو الحقوق.. في ذواتنا نفاق مشوب
بالشوك.. عصرنا يحمل إلينا قناديل من مهازل السياسة، مظلمة، لا نور فيها، ولا
ضياء... هل العيون مفقودة بحيث تحتجب عن النور؟ أم هي بصائرنا التي أظلمت؟.. لا
يأخذنا التشاؤم حيال الوضع القائم في منطقتنا، بعد الغزو الصهيوني لفلسطين.
- نسجت حول سقوط فلسطين، حكايات، وقصص شعث.
- حكايات مفتعلة أذاعوا بها، تراخت لها الأعصاب، وتبلبلت لها النفوس، تمهيداً
لتحقيق حلم صهيون الكبرى، من غير احتلال حقيقي.
- تتردد كثيراً كلمة "صهيونية" في العصر الحديث، ملازمة لليهودية، ابتدرتها ليلى
قائلة:
- قرأت مقالة في إحدى المجلات عن نشأة الصهيونية، هل أسمعك إياها؟
- بكل سرور؟
بدأت ليلى بالقراءة:
"لقد ثبت تاريخياً أن السلطان عبد الحميد الثاني، الرجل الذكي، قد عرف أبعاد
المطامع الصهيونية، وأغراض اليهود من الاستيطان في فلسطين"
من الغرفة المجاورة، صرخت الأم:
- لعنهم الله.
تابعت ليلى:
"فإنه بعد أن عقدت جمعية صهيون اليهودية مؤتمرها الأول في مدينة "بال" بسويسرا عام
1897م، كانت قد قررت الخطوط الأساسية للبرنامج الصهيوني في بروتوكول مؤلف من 24
مادة، وركزت جهودها نحو تخريب روسيا القيصرية، والإمبراطورية العثمانية، وقد نجحت
في ذلك."
قاطعتها أحلام بدهشة:
- ما غرض الصهيونية بتخريب روسيا القيصرية؟
أجابتها ليلى:
- كان سعيهم إلى تخريب روسيا بسبب ما كان يدعيه اليهود من اضطهاد يلاقونه من
الحكومة القيصرية، والكنيسة الأرثوذكسية.
بتعجب سألتها أحلام:
- ولماذا سعوا لِتخريب الإمبراطورية العثمانية؟!
بضيق قالت ليلى:
- لا تقاطعيني يا أحلام باستمرار.. أما بالنسبة إلى الإمبراطورية العثمانية فكان
السعي إلى تخريبها هو رفض السلطان عبد الحميد منح اليهود حق إقامة موطن لهم في
فلسطين.
بادرتها أحلام قائلة:
- أكيد.. كان هذا الرفض أحد الأسباب الخفية وراء الانقلاب الذي حدث عام 1908م،
وبالتالي إلى خلعه.
- أحسنت، فقد اعتبره اليهود العائق المهم أمام تحقيق أحلامهم في فلسطين، وقد استغلت
الجمعية الصهيونية، الضائقة الاقتصادية التي كان يمر بها العالم، والدولة العثمانية
بشكل خاص، فلجأت إلى الإغراء المالي لتحقيق أهدافها.
بهتت أحلام من مكر اليهود ووقاحتهم،
وبادرت قائلة:
- إنهم يريدون أن يشتروا الضمائر بمالهم.. هل استطاعوا أن يشتروا ضمير السلطان عبد
الحميد؟
بهدوء تابعت ليلى قائلة:
- اختارت الصهيونية محامياً يهودياً، كان قد أسس محفلاًً ماسونياً إيطالياً في
مدينة "سالونيك" اليونانية، و..
- كما أعلم، كانت هذه المدينة ضمن الدولة العثمانية.
- أجل... واسم هذا المحامي (أمانؤئيل قرصو).. أراد هذا أن يقابل السلطان عبد
الحميد، وذلك بعد أربع سنوات من مؤتمر بال الصهيوني، وقدم له عريضة يلتمس فيها منح
اليهود منطقة ذات إدارة ذاتية في فلسطين، تمتد من شمال يافا إلى شرق بحيرة طبريا،
ثم إلى جنوب غزة، انتهاءً بالبحر، وفي مقابل ذلك تقدم الجمعية الصهيونية قرضاً لمدة
غير محدودة، قيمته (20) مليون ليرة ذهبية دون فائدة إلى خزينة الدولة، و(5) ملايين
ليرة ذهبية إلى خزينة السلطان كهدية.
ضغطت أحلام بكفيها على صدغيها، وانفجرت
قائلة:
- أيمكن أن تصل الخساسة باليهود إلى هذا الحد؟.. تراب فلسطين لا يباع بمال الدنيا..
هل وافق السلطان لهذا الإغراء؟
ابتسمت ليلى وهي تقول:
- عندما سمع السلطان عبد الحميد لفحوى العريضة، استشاط غضباً.
- فقط؟ هل اكتفى بالغضب؟
- قال له ما خلاصته: إن أرض فلسطين ليست ملكي، إنما هي ملك الأمة الإسلامية.. اعلم
أن ما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يباع بالفلوس.
رفض السلطان عبد الحميد طلب اليهود،
وطرد "قرصو" من مجلسه.. ألم أقل لك منذ البداية بأن عبد الحميد رجل ذكي، ومؤمن،
يخشى على فلسطين المسلمة،... ثم، هل تدرين ماذا قال لمن في مجلسه بعد ذلك؟
- ماذا قال؟
- ربما.. إذا تمزقت إمبراطوريتي يوماً، يمكنهم أن يحصلوا على فلسطين دون مقابل.
تأوهت أحلام وهي تقول:
- هذا ما حصل، أليس كذلك؟
- الحكاية لم تنته يا أختي.
- هل من شيء آخر؟
- لقد انتقم هذا اللعين من عبد الحميد انتقاماً فظيعاً.
- كيف؟
- لقد تسلل إلى جماعة الاتحاد والترقي في سالونيك، فقد فتح لزعيمهم "طلعت" أبواب
محفله الماسوني، لكي يجري اجتماعاته السرية فيه، واستغل مبادئ الماسونية: (الحرية،
الأخوة المساواة) في جذب العديد من الضباط الشبان، وغيرهم من المدنيين للانخراط في
الماسونية، وفي جمعية الاتحاد والترقي، التي اتخذت لها الشعار المماثل: (الحرية،
الأخوة، المساواة)
بذهول قالت أحلام:
- شيء مخيف، وبعد ذلك؟
- تطورت الأمور بسرعة،.. أدت في النهاية إلى أن هبَّ الجيش في وجه السلطان عبد
الحميد، وإلى نجاح الحركة عام 1908م، وبالتالي إلى خلع السلطان عبد الحميد.
بأسف قالت أحلام، والدمع يترقرق من
عينيها:
- إذاً، الجواب الحازم من السلطان عبد الحميد الذي واجه به العرض الصهيوني كلفه
عرشه؟
- أجل... فلم يكن الضباط الشبان، ورجال الاتحاد والترقي ممن يتحلون بالروح
العثمانية الإسلامية.
- لقد حكموا على الإمبراطورية بالانتحار.
- وبالتفتت أيضاً، فقد اقتسمها الطامعون الأوروبيون.
- وهل من جديد؟
- أجل يا أختي، ثم صدر وعد بلفور عام 1917م، الذي اعترف بحق اليهود في إنشاء وطن
قومي لهم في فلسطين.
- هذا الوعد كان تحقيقاً للحلم الخيالي الذي كان يراودهم.
كانت الأم تصغي إلى الحوار، اقتربت من
ابنتيها وقالت:
- كان أبوكما رحمه الله يحدثني عن قصة الاستيطان اليهودي، والخطة المهيأة لاستملاك
الأراضي في فلسطين، فكرة عميقة، مدروسة منذ زمن طويل، وعلى مستوى عالمي، ووفق تعاون
وثيق بين اليهودية العالمية، والصهيونية المسيحية.
بغيرة شديدة قالت ليلى:
- كان أكبر عقبة أمام تلك الأحلام، وجود خلافة إسلامية، وعلى رأسها رجل ذو نظرة
بعيدة، وفهم عميق للسياسة الدولية، والأطماع.
يتبع
إن شاء الله..

المراجع
odabasham.net
التصانيف
أدب الآداب قصة