الزمن الجريح 5
أثناء التنزه بين الأشجار، وعلى ضفة
النهر، كانت ليلى في حالة انبهار، تفكر في الكون وخالقه، وأحلام في حالة تفكر في
الطبيعة وجمالها، للكون خالق، مدبر عند ليلى، فهي في إيمان مطلق، وأمان، والطبيعة
أوجدت نفسها عند أحلام.
كانت ليلى تلتمس رضا الله بالطاعة له،
وحسن التعامل مع الناس، وتحس برحمة الله بها، وتيسيره أمورها، إن وجدت في ضيق، أو
موقف صعب.
كانت الأم تعد الشاي في ظلال الشجر،
نظرت إلى ليلى ببشاشة وقالت:
- ما أقبل عبد بقلبه على الله، إلا أقبل الله على قلوب المؤمنين به حتى يرزقه
مودتهم، وأنت يا ابنتي قد غرس الله في قلوب أخواتك المؤمنات الصالحات شعوراً
بالمودة والمحبة والارتياح لمن رآك.
بدون مبالاة قالت أحلام:
- تلبسني فكرة أن الإنسان حر، يفعل ما يريد.
- الحرية لها حدود، وقيود، ونحن في مجتمع ذي فضائل وقيم.
- أريد أن أتعايش مع نفسي، ومع الناس بما يحلو لي.. تعبت من مشاعري الغاضبة،
الحانقة على من شرودنا.
- انظري إلى ليلى، قلبها عامر بالتقى والصلاح، وتشيع الهناءة في البيت، وتجعل
الحياة فيه نديّة، برغم كل ما مر بها من بلاء، أقبلتما معاً من الأرض السليبة، من
بين الأوغاد، حين وجدنا الهرب أسلم طريقة، فالطواغيت رووا أرضنا بدماء أبنائها..
ماذا كان علينا نحن النساء أن نفعل؟
صمتت أحلام، وبصوت يشوبه الألم قالت:
- أجل الهرب أسلم طريقة.. كان كل شيء مؤلماً حزيناً.
قالت ليلى:
- أنت تنزفين مشاعرك على الورق.
- وأنت ماذا تفعلين لتسكني آلامك؟
- أفرغها في الصبر، والصلاة، والدعاء.
- ما أخبار الوطن؟.. لا ندري عن الأحرار شيئاً.
- علمت من عمي خيري أن الأحرار يقيدون بالعسف، والشقاء.
بأسف قالت الأم:
- يا حسرتا على الأحرار، أسفاً على أرض القداسة، والطهارة صارت أوكاراً للفاسقين.
- وفساداً جهاراً.
- إن شعبنا يسكنه الذل والقهر في بلده، ويلبسه أكثر في المهجر، فلسطين الأسود صارت
مرتعاً للذئاب، والثعالب، ينهشها البؤس والشقاء.
- أنا قلقة حيال ذلك، يمزقني القهر، وكأنني في أغلال تقيدني، أمسي فيها وأصبح، حتى
استحكم اليأس في روحي ووجداني.
- سمعنا من الإذاعة أن الصهاينة يفتكون بالأرواح، لا يميزون بين شيوخ وشبان،
وأطفال.. الأشجار ذوت، والنار أضرمت في كل حقل.
- الحياة ليست سهلة، فيها أنواع البلاء، والصراع.
كانت أحلام تغوص في ذكرياتها، وتجاربها
الذاتية في طفولتها، وصباها، وتعود بها إلى حارتها الأولى التي نشأت فيها، إلى
الجيران، والرفيقات، بضيق سألت:
- هل سيخلد اليهود في فلسطين؟
- سيبعدهم الله عنا، بضلالهم، وكفرهم، وصدهم عن سبيل الله.
- حقائق واقعنا الأليم ستدفع باتجاه التغيير، ومقتضيات الحياة تفرض السعي، والتحرك
لإنجاز التحرير.
- التحرير للضمير، والإرادة، وللأرض، والإنسان، فالحياة لا تعيش في فراغ، نحن أمة
الإسلام مسؤولة أمام الله، حاملة رسالة سماوية، ينبغي الصمود أمام القضية
الفلسطينية، ولا نسمح لأنفسنا في تأييد الخنوع، والركوع.
قالت أحلام:
- الماضي أصبح شيئاً خرافياً، يجب أن نخرج من إساره، الكائن الحي يتطور كل يوم.
فكرت ليلى في كلمات أحلام، كلمة، كلمة،
وجدتها لم تزل تؤمن بالهدم، والبناء، قالت:
- بالتطور الذي تؤمنين به نخسر عادات قديمة، ونكسب أخرى جديدة.. فليكن التطور ضمن
وجود قيمنا، ليبقى معروفاً أن هذه الحجارة من هذا المقلع، تأثري بمن شئت، ولكن
حافظي على أصالتك.
- نحن بمبادئنا اليسارية، نفكر دائماً بآفاق جديدة، نشعر بتعاسة الإنسان المعذب،
وننادي بحريته، وكرامته، فالإنسان ولد ليسعد، وليعيش بانسجام مع الغير، ليس لتمضية
حياته وهو يحتال على مشكلاتها، إن الحروب، وصعوبات الحياة صارت تهدد وجود الإنسان
وكرامته.
- لماذا لا نغير ما بنفوسنا، فالدنيا تتغير بتغيرنا؟
- لا يكون إلا بإلغاء مبادئ الماضي،.. تعفنت.. علينا أن نغير تفكيرنا مع تطور
الحياة.
- تريدين منا أن نخرج من جلودنا، ونلبس أخرى؟.. اسألي نفسك من أنت؟
- وأنا أسألك: من أنت؟
بفخر أجابت ليلى:
- أنا عربية مسلمة، من الأرض المقدسة أولاً، تأثرت بشعب بلادي، بفرحه، وحزنه،
وآلامه، إذا لم أكن نابعة من أرضي، لا يمكنني أن أكون قوية. تربيت على طبيعتها،
أمضيت فيها أياماً، وأزماناً، أراقب فيها تحولات الظلال على الأرض، وخلال أوراق
الشجر، وأراقب تحولات الشمس، وصفوف النمل في حركتها، كنت أتأمل، والتأمل قوى صلتي
بالخالق المبدع، وبوطني.
- الآن أرضنا لا تُسكن في زمن البغاة، وباءت بالأسى، وقيد أحرارها بالسلاسل.
كانت الأم تصغي إلى حوار الأختين،
بتحسر قالت:
- هل نحن هجرناها، أم هم دفعونا إلى الهجرة؟.. نبقى مرتبطين بها برباط الحب،
والنسب.
قالت ليلى، والدموع تترقرق من عينيها:
- فلسطين وطني، روحي تشدو بنجواها شدو الطيور على أغصان الزيتون، والصفصاف، حين
أذكرها يذوب قلبي شوقاً إليها، وتحرقني الآهات.
بين ضحكة أحلام ودمعتها قالت:
- أشتاق إلى مرابع طفولتي، إلى شجرة البلوط التي بها أرجوحتي، إلى الساقية تحت جذوع
الشجر أغسل فيها قدمي، إلى كل ذرة من تراب فيها، خطوت فوقها.
- ما أصعب عيشة الذل في أرضنا، كيف نستذل بملكنا؟ كيف يعيش الردى بيننا؟، كيف تقتلع
منها جذورنا؟.. لقد أصبحنا غرباء في دروب وطننا، يلاحقنا الرعب، والاقتلاع.
- هاجرنا كغيرنا، نجونا بأجسادنا، وبقيت أرواحنا تبحث بين الأكمات، والتلال،
والبيوت المهدمة، عن ذكريات كانت، ولا تزال.
- العيش في الوطن مع الفقر كرامة لأهله، وفي غيره خضوع للوهم.
- أف من هذه الحياة التي أصبحت مزيفة، تحطم كبرياء القلوب.
بهدوء قالت ليلى:
- نحتاج إلى الرجوع إلى همة الأولين، ولو قيد شبابنا بسلاسل السجون، لا بسلاسل
الأعناق تقليداً للغرب.
بوله قالت أحلام:
- إنني عاشقة لوطني، ولن يزول حبه من قلبي ما حييت.
- لا بد يا ابنتي من التأقلم مع المحيط الجديد.
- بهذا المحيط الذي تسيطر عليه تقاليد جامدة؟
المراجع
odabasham.net
التصانيف
أدب الآداب قصة