الزمن الجريح 2

في أحد الأيام، مع نسيم الصبح، قضت أحلام عند الشاطئ وقتاً ممتعاً مع الطبيعة،... تذكرت وطنها، لامت نفسها، كيف تستمتع وهو يتعذب؟.. تشتتت روحها، واضطرب قلبها من الخوف.. ثم في البيت كانت تغرق في أحزانها ليلاً، وجدتها ليلى ساهرة، سألتها:

- ما بك يا أحلام؟

- أفكر بما يجري في الوطن.

- اليهود غدارون، وحياتهم مدورة باللعنة، طردونا من جنتنا المقهورة، من أعلى ربوتنا إلى الوادي، ثم هجرونا.

- أتذكر يحن فاجأونا قبل طلوع الفجر، وما كنا لنملك أن نبقى أحياء حتى مطلع الشمس، كنا وغيرنا كحروف طائرة حائرة.

- إذا نظرنا بعين الإنصاف عذرنا أنفسنا، فدماؤنا كانت مهدورة، واليهود ينفذون ما خطته الصهيونية، والله العادل يقدر أقدارنا بحكمة.

- لعنة الله عليهم،.. أتذكر كيف ألقونا بالعراء، فنمنا خلف الأشجار، جعلونا كضفادع مذعورة، يردد الليل لغطها.

- نتساءل: هل يسمع العالم صراخنا؟

- يقول المثل: المعرفة شجرة الأسف، فلنتجاهل حتى لا نندم، وننفجر.

أحست أحلام بالحياة تتدفق في صدرها، رغم لوعة الأحداث،.. أخذ الحلم يراودها في إعادة صوغ حياتها بطريقة مختلفة، والابتعاد عن التفكر في الماضي، والإقبال على الحياة، وإحراق الذكريات في أتون النسيان، وتجاهل كل ما يقلق... صممت على اجتياز واختراق العقبات.

تساءلت:

أيمكنني ذلك؟.. لم لا؟

فلأحاول.. الأحلام تموت إن لم أجر وراءها.

سأبني لي وجوداً في هذا البلد، وإلا فسيجهلون وجودي.

ردت الحماسة في صدرها خوفاً من الفشل، حاولت أن تفر من روحها، ثم تغلغلت بنشاط.. تفحصت حالها في المرآة. ألقت كتفيها وشعرها الذهبي وراء كتفيها، فركت جبينها.. عادت النضارة إلى وجهها. بدهشة نادتها أمها:

- أراك تتهيئين للخروج، إلى أين؟

- إلى زميلات تعرفت عليهن في المعهد.

- ليس بهذا الشكل، عليك أن تراعي تقاليد المجتمع، وقيمه، لا تعرضي مفاتنك في الطرقات، لئلا تتعرضي للأذى.

بضيق أجابتها:

- الحياة قاسية يا أمي، سأبعد قسوتها عني، التفكير الدائم في الوطن يعذبني، ويرهقني، أبحث عن أحلام جديدة، لا أريد أن أكون مهمشة... دعيني أعيش كما يحلو لي، وأحلم كما أشاء، وأحقق لنفسي واقعاً جديداً.

وبتحسر قالت:

- أبي توسد التراب، لم يجد من يدفنه، أو يمسح عن وجهه الدم بعد أن فرغت بندقيته من الرصاص.. هل تعيد الحياة إلينا ما فقدناه.

- أبوك مات شهيداً.

- وبيتنا تهدم.

- المهم نحن قد سلمنا.

- وعمي خيري يبحث عن حياة جميلة له ولأسرته، ونحن النساء الثلاث محجوزات في بيت أشبه بالفارغ،.. دعيني يا أمي أتنفس، وأخرج من هذا المأوى البارد.

وبتأثر بالغ قالت:

- إن من بقي من شعبنا في الوطن يعاني الحرمان، ويذبح على مرأى من العالم، وتحت رداء الصمت، ونحن هنا نتلوى من الألم.

بذهول نظرت إليها أمها، تفحصتها بشيء من الغضب، همست:

- جيلكم يختلف عن جيلنا.. يا إلهي ماذا يحدث لبناتنا؟ يجري بهن الزمن بسرعة فائقة، يكبرن، وينضجن هكذا دون سنين.

كانت أحلام تتجول في الشارع المحاذي للشاطئ، كان النهار متألقاً، تزرع فيه الشمس أنوارها البهية، تستظل منها بين الحين والآخر بظلال النخيل، فكرت بزيارة بيت عمها خيري المطل على البحر،.. تراجعت عن الفكرة، لأنها أحست بالجوع، ولن تستجدي اللقمة عندهم، وإن هلكت جوعاً.

تذكرت أباها فجأة، وهو في لحظاته الأخيرة، ودمه يتناثر منه، ويتلقاه التراب بشهية.. ذاب في رحم الأرض، وكان قبل ساعة يجري معها، ويضحكان، تناثرت الكلمات غضبى من حلقها، وتساءلت:

"لم قتل أبي؟ ألأنه يدافع عن أرضه، وبيته؟ أم أن القضية دفعته للثورة على العدو؟… كيف أهرب من الذكرى وقد حصلت أمام عيني، وزرعت في ذهني؟.. أخدع نفسي إن قلت: سوف أنسى.

في البيت نظرت إليها أمها بتساؤل:

- أراك قلقة، دامعة العينين، هل ذهبت إلى صديقاتك؟

- فقط تمشيت فوق الرصيف.. حسبت أنني أهرب من الصدمة إلى الطبيعة، فإذا هي تلاحقني في ذكرى أبي، في دمه المتوهج، قتلوه، فقتلنا معه، نحن أموات في أحياء.. لماذا مات، وتركنا نساء بلا معيل؟

- أجله قد انتهى.. البركة في عمك خيري، هو المعيل لنا.

بسخرية قالت:

- أشبه بالمعيل.

- اهتمي بدراستك، لتأمين مستقبلك، ولا تفكري بشيء آخر.

ثم وجدت الأم نفسها تسترسل هي الأخرى بالذكرى مع ابنتها، بتحسر قالت:

- كنا نعيش في بيت واحد، متآلفين معاً، ومتحابين مع الأهل، والجيران، كنا نحس بالدفء الإنساني فيما بيننا، ثم شتتنا الاحتلال.. استولوا على الرابية، شيدوا فوقها مستوطنة، وسيجوها بالأشجار، ومن ورائها سياج من نار.. هنالك كنت وكنا، وكان لنا عز ودار.

بألم أردفت أحلام:

- وكان لي مرتع وذكريات، تفتحت من زهرة طفولتي، تنفح فيها المنى، وهفهفة الأحلام الشادية، أما هنا فأسري عن نفسي بالصداقات، فسرعان ما تعاودني الذكرى.. فأسأل نفسي: لم نحن هنا؟.. خيمة في الوطن في ظل جدار منهمر، حياة لنا، ووجود.

أطلت ليلى بوجهها السمح، وبعجب سألت:

- أتحت ظلال القصف، والدبابات، والنيران؟

- أفضل من حياة خاملة في أي مكان آخر، تنساب فيه الحياة بهدوء، وأمان.. لا ري في الروح إلا في أحضان الوطن.

- أراك تجعلين حياتك تخوض في بحر من قلق، والتوتر، ولا تهدئين على حال... صدقيني، إنني أخشى عليك.

 


المراجع

odabasham.net

التصانيف

أدب   الآداب   قصة