القاهرة ــ طارق رضوان:
عندما تجد المرأة نفسها وحيدة ومعها طفلان لا تعرف كيف تنفق عليهما يكون طريقها إلى الرذيلة سهلا ومغريا من أجل المال الوفير· كثيرات يمشين في الطريق بلا عودة حتى تنتهي حياتهن داخل السجن· وقليلات يتراجعن عن هذه الطريق وهذه المرأة من القليلات اللاتي تراجعن عن طريق الرذيلة لتعيش حياة كريمة مع أولادها!
دخلت غرفة المداولة في المحكمة ونظر إليها القاضي بعينين صارمتين وسألها عن التهمة المنسوبة إليها· فقالت: أنا مسجلة آداب·
امرأة في السابعة والثلاثين من عمرها، جميلة، ممشوقة القوام، ترتدي عباءة سوداء زادت مفاتنها وتوجهت أنظار الحاضرين داخل قاعة المحكمة إليها عندما اصطحبها شرطي واحتجزها في زاوية عند نهاية القاعة مع بعض المتهمات في قضايا أخرى· نادى الحاجب على القضايا المنظورة وبدأ القاضي تداولها ثم انطلق صوت الحاجب بين جدران القاعة ونادى على القضية رقم 40 واتجهت المتهمة بخطوات بطيئة نحو غرفة المداولة بصحبة الحارس ووقفت أمام القاضي وقالت أنا مظلومة في هذه القضية· لقد نشأت في أسرة متوسطة الحال وعشت يتيمة الأب والأم وفقدت حنانهما منذ الصغر·
تركت بلدي بعد أن ضاق بي الحال وتوجهت إلى خالتي في القاهرة وعشت وسط أبنائها· ورغم أنها كانت شديدة الحنان علي إلا أنني لم اكن ابنتها ففي الأعياد كانت تأخذ أولادها لشراء الملابس الجديدة وتتركني وتشتري لي ملابس بسيطة كي لا احزن، وحتى عندما انجح في الدراسة كانوا يكتفون بكلمة مبروك باهتة وعندما تخرجت في مدرسة التجارة المتوسطة أردت أن اعتمد على نفسي حتى لا يتحملوا نفقات اكبر فالتحقت بأحد المصانع كعاملة بأجر يومي حتى وصلت إلى العشرين من عمري وعندها شعرت لأول مرة بأنني أنثى جميلة كما كان يشهد بذلك زملائي، وبدأت اهتم بجمالي وتقدم أحد زملائي في المصنع للزواج مني وفرحت جدا وظننت انه طوق النجاة من حياتي البائسة التي كنت أعيشها، وحلمت بأن أكون زوجة وأما لأطفال كثيرين يعوضونني سنوات الوحدة والحرمان·
وبمجرد تقدمه لي وافقت خالتي لأنها كانت تشعر بأنني عبء ثقيل عليها وكانت واضحة جدا معي ومعه، حيث قالت إنها لا تستطيع مشاركتي بالمال في أي شيء لان عندها أبناء لا تستطيع تلبية مطالبهم·
بداية المأساة
ووافق زميلي وأخذني بحقيبة ملابسي القديمة ومرت الأيام وأنا اعمل مع خطيبي في المصنع حتى نستطيع توفير نفقات الزواج وخصوصا فستان الفرح الذي كنت احلم به· تزوجنا بعد خمس سنوات من الخطبة وأنجبت طفلة جميلة ملأت حياتي بهجة وسعادة لكن أمام أعباء الحياة التي لا تنتهي وقلة المال نشبت الخلافات بيني وبين زوجي الذي كان يعمل ليل نهار لادخار بعض الجنيهات لسد احتياجات ابنتنا والبيت وحملت مرة أخرى لأنني كنت متفقة معه على كثرة الإنجاب حيث عشت وحيدة واعرف مرارة الوحدة وأريد أن يكون لابنتي اخوة كثيرون كي لا تشعر بالوحدة، أنجبت ولدا واتسعت دائرة الخلافات والمشاكل الزوجية بيننا حتى وصلت للطريق المسدود ومل زوجي كثرة الخلافات وأعباء زوجة وطفليها فتركنا ورحل ولم نعرف له طريقا·
قالوا انه سافر·· وقالوا انه هجر الحياة واصبح يخدم في أحد المساجد·· وقالوا انه مات لكني كنت اعرف انه حي يرزق ويهرب من أعبائنا· أصبحت وحيدة أنا وأطفالي لقد كنا عاجزين عن سد احتياجات الحياة عندما كان زوجي موجوداً ويعمل فكيف انجح أنا وحدي وبمرتبي الصغير في ان أفي باحتياجات الحياة وحدي·· ولعب الشيطان برأسي فأنا جميلة وكل الرجال يريدون نظرة واحدة مني وتوهمت ان أسرع طريق للكسب هو طريق الرذيلة فالرجال مستعدون لان يدفعوا كل ما يملكون مقابل نظرة واحدة من امرأة جميلة وأنا أرى نفسي جميلة لكني لم اكن اعرف أين الطريق· وتعرفت على جارة مطلقة دلتني على أحد الملاهي الليلة التي كانت تعمل بها، وبدأت التردد على هذه الملاهي مستغلة جمالي ورغبة بعض الرجال في الحرام وتعلمت سر المهنة لان مكاسبها كانت كبيرة بخلاف العمل الشاق اليومي بملاليم، واصبح لي زبائن من كبار رجال الأعمال واستطعت أن اجمع كثيرا من المال الذي انفق منه على أولادي وأدخر الباقي· وكانت جارتي تساعدني على ذلك بان تأخذ الأطفال عندها وقت عملي الليلي حتى سقطت في قبضة رجال الشرطة وصدر ضدي حكم بالحبس، وبعد خروجي من السجن استطعت أن اشتري ملهى ليليا بعد أن تركت ممارسة الرذيلة·
وواجهني رجال الشرطة بأنني أستقطب الساقطات الى الملهى لتحريض الرواد على الفسق واصطياد راغبي المتعة الحرام لممارسة الرذيلة مقابل مبالغ مالية كبيرة ولزيادة مبيعات الملهى وتشجيع الرجال على الحضور لساعات طويلة حتى أستطيع جمع اكبر قدر من المال، وقالوا إن شخصين اتفقا معي على قضاء سهرة حمراء في المنزل ومعي فتاتان مقابل 500 جنيه في الليلة الواحدة ومئة جنيه للقواد الذي يسهل مهمة خروج النسوة الساقطات من الملهى مع راغبي المتعة الحرام·
تفاصيل
وقالت المتهمة: أنا في حقيقة الأمر لم اكن أشجع هذه الأمور لأني كنت قد تركت هذا الطريق لكن المحل له زبائنه الذين يريدون مثل هذه الأشياء وكنت بقدر الإمكان أحاول منع الفتيات من الرذيلة لكن الزبائن يريدون ذلك وأنا لا احب أن يغلق المحل ويفلس فكنت مجبرة على ترك الزبائن على هواهم وعندما شعرت بأن الموضوع يتفاقم أغلقت المحل فترة طويلة وكان ابني وقتها يمر بأزمة صحية وكان علاجه يحتاج إلى مصاريف كثيرة ولم ابخل عليه حتى أنفقت كل ما ادخرته على علاجه وقلت لنفسي لو شفي ابني فسأقلب المحل لمشروع آخر بلا أي شبهات من اجل ابني وبعد أن شفي ابني قررت فتح المحل لفترة قصيرة حتى أستطيع جمع مال لتحويل نشاط المحل لكن تحريات المباحث كانت متواصلة والشبهات تحوم حولي رغم أنني لم أمارس الرذيلة بعد خروجي من السجن حتى أنني كنت أفكر في الزواج لأعيش حياة جديدة نظيفة لكني تراجعت عن فكرة الزواج لأنني لا أريد أن يكون هناك زوج أم لأطفالي·
وفوجئت بمباحث الآداب تقبض عليّ بعد ضبط فتيات كن يترددن على المحل واعترفن بأنهن كن يجلسن في محلي، وأحلت للنيابة فأكدت أنني لم أمارس الرذيلة بعد خروجي من السجن وكان دوري فقط هو استقطاب الرجال عن طريق بعض الفتيات لزيادة مبيعات الملهى وليس لممارسة الرذيلة كما أنه لم يلق القبض عليّ متلبسة·
وأحالوني إلى المحكمة التي أصدرت حكمها بالحبس ثلاثة اشهر مع الشغل وكفالة 50 جنيها وأعترف بأنني أخطأت بشرائي الملهى وإعادة فتحه من جديد لكني لم أمارس الرذيلة والعجيب هو ظهور زوجي الهارب عند نظر قضيتي حيث أقام ضدي دعوى من اجل استعادة الأولاد بعد غيابه عني عشرة أعوام كاملة، وفي وسط محنتي زارني وعرض عليّ أن يترك لي أولادي مقابل أن أعطيه مالاً يعيش به لكني رفضت ورفعت ضده قضية وكسبتها لأنه كان غائبا بلا عذر عن أولاده وعن زوجته وكان هو السبب في أن أسلك هذا الطريق·
نظر القاضي إليها ثم نظر إلى الأوراق وطلب شهادة الضابط المسؤول فأكد للقاضي انه لم يقبض عليها متلبسة كما هو موجود في ملف القضية واصدر حكما ببراءة المتهمة لعدم ثبوت جريمة ممارسة الرذيلة وحفاظا على كيان الأسرة وحفاظا على امرأة وأم تريد أن تعيش حياة جديدة·


المراجع

alittihad.ae

التصانيف

أدب  مجتمع   الآداب   قصة