-
غزة تنفجر .
-
الجدران تتصدع ، تتهاوى .
-
على
الجميع إخلاء المواقع فوراً ...
-
على
الجميع إخلاء المواقع فوراً .
-
الاجتياح بات وشيكاً .
القذائف تنفجر ، تطير في سماء مدقعة بحداد قاحل ، الهزيع الأول من الليل يجوس في
الأعماق ثقيلاً . انفجارات تئن و ينتهي الصمت. يبزغ نهار مع ألوان نيران تضطرم .
يمسي الليل بركاناً مضرجاً بالدماء ، عويل طويل لا ينتهي ، الطائرات تحلق هائمة على
أنفاس الثوار ، تطلق صاروخاً واحداً و ينتهي الليل ، الظلام .
لوحة تتوشح في صورة رجل يتدثر التراب صلداً ، الخريف يتوزع في أحضان النسوة
المتلفعات حكايا الهجرة الأولى ، تتقدم الزوجة و في يدها مصباحاً خافت الضوء ، تضعه
أعلى الرف الممتد في غرفتهم الصغيرة ، تسنده بجوار أطباق متسخة . تهمس إلى جارها
بحذر :
-
يبدو أننا الليلة سنبيت في العراء .
تصمت ، تبكي و الوجه يغور في رأس الابن الضال بمتاهات الجرح القديم ، كان يجرى بين
أحضانها ، ترفعه ، تخفضه كصاروخ يتقلب في الأرض الباهتة ، يخبرها بحلمه عندما يكبر
…
يكبر ، يبتسم إليها ، ينحني ، يقبل قدميها ثم يوغل في البعيد ، يتحطم كأيقونة
مصلوبة ، يتمنطق حزام أبيه . يضع عطراً على جسده ، تمسد الأم شعر رأسه الناعم ،
تصلي من أجله ، تدعو له بالنجاة من بقايا الموت العظيم ، يقبل يديها مرات و مرات ،
يتيه فيهما ، تتشقق الأوداج ، حشرجات متقطعة ينفثها الأب العجوز الذي يتقدم نحوه
باكياً ، يسأله :
-
أستتركنا لهذه الوحدة القاتمة ؟
يتفجر الدمع من مقلتيهما جميعاً و الأم ترنو ببصرها في جبهة الإيمان المترعرع بقلب
صبيها الرجل . يغادرهم ، يصفع الريح بوجهه ، يجري ، ينطلق كطائرة تحلق في سماء
الريح ، ينبطح أرضاً و عند أول منخفض يستند بسلاحه ، يخرج رصاصة ، ينادي بالآخرين
أمامه ، يشرخون جدار الصمت بقذائفهم التائهة ، يطلقون رصاصاتهم القليلة ، يفجرون ،
يزرعون الأرض ألغاماً ثم يغادرون ، و عندما يصلون أطراف الحدود المجهدة عناء الزمن
ينتزعه الأرق ، الجفاف ، القحط الذي يتربع في مخيلته ، يبحثون عن الماء جميعاً ،
يلهثون ككلاب ضالة ، يهذون ، يسيرون حتى تتفطر الأقدام ألماً . و قبل أن يلجوا
بوابة الوطن الجديد تكون قد ابتلعتهم العتمة ، الظلام الذي يعتري العجوز في غرفتها
الواطئة . تغمض جفنيها ، يتشنج الجسد عند أطراف الذاكرة ، القذائف تطير ، ترتطم
بالأرض ، تصطدم بالحجارة ، تهمس المرأة إلى بعلها بجنون :
-
علينا أن نخرج الآن بعيداً عن المخيم
.
هدوء أثير يحتوي قلبيهما ، يبتسم الزوج ، يضحك ، يرتفع صوته بالضحك ، جنون يتسرب مع
الريح إلى الأجساد ، تدمع عيناه .
-
هنا
هيروشيما ، نجزاكي جديدة .
-
هناك بيروت 82 ، هنا حمام الشط .
-
أيها المهاجرون ، أشعلوا نيران أجسادكم في لهب العدو ، التحموا .
يحدق العجوز في السماء الكالحة أمام شباكهم الواطئ . كل شيء أمامه غريب . خلاء
يتجلى كوردة الدم المتلفعة حصائد الجياع ، يحدق في البيوت المهجورة التي لاحت في
لحظة خاطفة مع انقشاع الضباب كقمامة متناثرة ، يتوسد لحافه ، يرتعش ، و أمام الشباك
تهوي القنبلة .
-
تنبيه إلى جميع مستمعينا داخل المخيم ، و خارجه .
-
عليكم إخلاء المواقع فوراً ، و دون تردد .
-
مرة
أخرى ، على جميع المواطنين إخلاء البيوت فوراً ، و دون تردد ... .
يغفو الرجل دون أن يأبه لتوسلات الزوجة ، يبصر ابنه جميلاً ، ضخماً ، يتقدم نحوه
باكياً ، يقبل قدميه ، يطلب مسامحته ، يدعوه لزيارة بيته الجديد ، يمسك بيد أبيه و
الأم تطأطئ رأسها موافقة ، يتقدم ، يبزغ وجهه ساطعاً في ظلامهم كنور سراج وهاج .
الأم تنام و الأب يستيقظ ، يمد يديه ، يشعر بأن كفاه تلامس روح الابن . طمأنينة
تحتوي قلبه ، يهم بالنهوض و عصاه القديمة تنفلت كثقب مجدوع . يوقظ الزوجة باهتة
الظل ، يرتفعان إلى أعلى . السقف يتطاول غائراً في العين ، و قبل أن يتوسدا سجادتهم
المتعفنة تكون القذيفة قد وصلت شباكهم الصدئ و اخترقت مسامات التراب لتفجر معها
آخر الأغوار في أرض جدباء .