كانا يتشاجران كالعادة
، وقد بدأت بالصراخ وبدأ هو برفع يده مهدداً في الهواء ،وكانا على وشك الدخول فيما
بعد الشجار ، عندما ، بغتة ، انقطع التيار الكهربائي .
صمتا باحثين عما
يشعلانه ، في تلك الظلمة المباغتة ، ارتطمت يدها بكوب الماء وهي تبحث عن " ولاعتها
"، انقلب الكوب على الطاولة، وسمعا صوت تكسر الزجاج ، عثر هو على " ولاعته " دون أن
يصب الطاولة أو الأشياء بأذى ، لأنه ببساطة ، كان يترك علبة دخانه و" الولاعة "
بجواره أينما جلس .
أضيء المكان قليلاً
.... كان لا يزال الصمت يلف الظلام ، كما يلف الظلام الصمت ، وتداخل كلاهما : الصمت
والظلام ، ليوقفا الشجار .....
نهضت على ضوء " ولاعته
" باحثة عن شمعة ، ارتطمت ببقايا الكوب الزجاجي المتكسر ... لم تصب بأذى ....
أخذت تقلب الأمكنة
بحثاً عن كيس الشمع " لقد تركته هنا " .... " يا إلهي ، عندما تبحث عن شيء لا تجده
، وعندما لا تحتاجه يقبع أمامك " .... قال لها لائماً ، موبخاً كعادته " أنا لا
أفهم هذه الفوضى ، كيف يخلو منزل من شمع ، خاصة وأن الكهرباء تنقطع كلما حلا لهم
... " ردت بغضب كتوم " يوجد شمع، ولكني لا أعرف أين وضعته " ... " وما الفرق ..أن
لا تجدينه يشبه تماماً أنه غير موجود ... لأننا سنقبع في الظلام،أم تظنين أني سأظل
هكذا ممسكاً" بولاعتي" ؟! " .... " هاهو ، لقد وجدته " .
أضيء المكان أكثر من
قبل بقليل ، نشرت عدة شموع ، وأخذت تزيل الزجاج المكسور ....
جلسا صامتين ، لا يمكن
للشجار أن يستمر في العتمة ، وكأن للشجار شروطاً ، لا يمكنه أن ينمو دونها ، مثله
كمثل أية حالة أخرى ، خاصة وأنهما لا يكتفيان بالصوت ، بل يتبادلان النظرات الحادة
، العبوس القاسي ، الغضب المتطاير من الملامح ، وحركات الأيدي ... كل ذلك لا يمكنه
أن يتم في الظلام .
استلقت على الأريكة
المقابلة له ، كل منهما جالس على أريكة مقابل الآخر ، يدخن بغضب وصمت .
كان معتاداً على لعن
المسؤولين عن مؤسسة الكهرباء حين يكونا في وضع مماثل ، ثم يتصاعد اللعن والسباب
ليشمل النظام القائم ، نظام اللصوص ، وعدم احترام الإنسان ، ليتصاعد الشتم ليصل إلى
جميع الأنظمة التي لا تحترم الفرد .... ولكنه كف عن ذلك ، لأنه اكتشف أن يغضب ،
ويتوتر ، ويرتفع ضغطه ، دون أن يتأثر مسؤولوا مؤسسة الكهرباء ، ولا النظام القائم ،
ولا الأنظمة المتخلفة ، التي لا تحترم المواطن أو الفرد .
توقف الشجار إذن ،
وكان الصراع بين العتمة الممتدة في أرجاء الغرفة ، ونور الشموع الذي يحاول إثبات
دوره كـ مضيء .
كادت تهم بإطفاء
سيجارتها ، وهرسها بأصابعها داخل المنفضدة ، كعادتها العنيفة في التعامل مع الأشياء
، تلك الحركة العصبية ، العصابية ، .....
فجأة ، أوقفها هذا
المشهد :
" ثمة هالة ضوئية تحيط
بوجهه ، تنبع من جبينه ، وتملأ المكان بضوء غامضاً ، هو ضوء ، ولا ضوء ...
كيف ستفسر ذلك ....
ستحاول :
هو ضوء لأنه مشع ، كما
الضوء ، إلا أنه ليس بضوء ، لأنه لا ينتشر في المكان ... هو ضوء ثابت ، لا يتعدى
وجهه ، ولا يضيء ما حوله ، فكيف هو ضوء إذن ..... "
نهضت متجهة صوبه ،
بهدوء ، واسترخاء ، ليسا من عاداتها .... كأنه ضوء مُغيّر ، ما أن تراه ، حتى تصبح
كائناً آخر ...
جلست على أريكته ،
وضعت يدها على جبينه ، فامتلأت يدها بالضياء .... كم كانت يدها جميلة فوق جبينه ،
يا للرب ، كانت تكره سبابتها اليسرى ، لأنها كانت قد تعرضت لحادث في صغرها ،
وانهرست في ماكينة كهربائية ، ففقدت جزءاً من الظفر ... وغدت سبابة " مشوّهة " ،
ولكنها ، هنا ، فوق جبينه ، حيث ينبع الضوء ، سبابة طبيعية كباقي أصابع يدها التسع
.
كيف يحدث هذا ؟!
أخذ يدها بلطف ،
وحملها نحو شفتيه ... ثم انحنى صوبها ، وقبلها في عنقها ....
كان لايزال الصمت
والعتمة سيدا المكان ، وكان الصوت الوحيد ، الخافت ، هو صوت أنفاسهما المتقاربة ،
والضوء الوحيد ، الثابت في مكانه ، اللامنتشر ، هو ضوء جبينه .....
ألقت رأسها على صدره ،
احتضنها لوقت لا يعرفان مقداره ، شعر ، وللمرة الأولى في حياته ، أن للتخلف مزايا ،
وأراد أن يشكر موظفي مؤسسة الكهرباء ....
كانت هي قد قالت شكراً
بصمت ، للأنظمة المتخلفة التي لا تزال " تقطع " الكهرباء .... وتقول : لولا انقطاع
الكهرباء ، ما رأيت نوره الداخلي ...
عندما تدفق نور
الكهرباء فجأة ، انفجرا في ضحك كالأطفال ، ثم تعانقا مطفأين الكهرباء .
