أ. أحمد إسماعيل
صحفي و كاتب سوداني

ما بين (أحمد) و(حاج أحمد) أمر يشبه ما بين (محمد أحمد) و (سيد أحمد)..
سيد أحمد قبض المرتب؛ وهو أوراق كثيرة، ولكنها لا تشتري قطميراً..جلس تحت ظل شجرة النيم الكبيرة، في رأسه تدور و تطن أرقام أخرى لا تحتملها أوراقه الأنيقة: حق اللبن، حق المدارس، حق الإيجار، حق الولية، حق الفطور...إلخ.
أخرج الرزمة المالية من جيبه وبدأ يعيد الحسبة؛ يضع لكل صاحب نصيب نصيبه من الورق على الأرض، تماماً كما يوزع أوراق الكوتشينة.. حق اللبن، حق المدارس، حق الإيجار، حق الوليِّة، حق الفطور...إلخ. وبعد صداع وعرق ورهق، انتهى من الحسبة، وافترشت أكوام الأوراق المالية الأرض وعلى رأس كل منها حجر يعصمها من الرياح..هب سيد أحمد واقفاً، وتمطَّى حتى طقطقت مفاصل ظهره، وقال: (الحمد لله انتهينا)..ثم مضى متبسماً تاركاً وراءه أكوامه على الأرض تبتسم للريح.
أما محمد أحمد فهو مثل سيد أحمد ، تدور الأرقام في رأسه، ويدور الورق على يديه، ولكن الحسبة تأبى أن (تلفق) معه..يعيد الحسبة مرات ومرات..ولكنها تأبى ثم تأبى..و يتحدر العرق من جبينه، وتصل الملوحة إلى شفتيه، يرهق الصداع رأسه..فيقف على قدميه.. لا يتمطى ولكنه يحك ذقنه، ثم ينحني على الأرض ويجمع الأوراق، ويدسها في جيبه، ويمضى..فقد قرر أن لا يحسبها ويواجه الدنيا.
أزمات السودان كثيرة وكبيرة مثل أرقام محمد أحمد وسيد أحمد..إن شئت أن توزعها على طريقة سيد أحمد فهي؛ الجنوب، دارفور، الشرق، المناصير، المحس...إلخ..
وإذا حسبتها على طريقة محمد أحمد فهي: النفط، أبيي، السلاح والتفلتات الأمنية في العاصمة القومية، ثم المحكمة الجنائية الدولية، القوات الأممية، الدعم الثقيل، العقوبات البريطانية الأمريكية...إلخ.
فعلى طريقة سيد أحمد قامت الحكومة بتوقيع اتفاق نيفاشا، وهي تحسب أنها تمكنت من (تلفيق الحسبة) وحلَّت مشكلة الحرب في الجنوب، ولكنها نسيت كل الأوراق خلفها وعادت نيروبي لتحتفل في الخرطوم بالسلام، فإذا بها تجد أن الحرب قد انتقلت إلى الشمال.وأن كل الأرض قد تشققت لتخرج نار وحمماً؛ في دارفور، في الشرق، في مروي...إلخ.
وعلى طريقة سيد أحمد أيضاً ظنت أنها في طريقها لحسم قضية دارفور حين وقعت على أبوجا، فإذا بالأوراق الأخرى خلفها تشعل الأرض من جديد؛ جبهة الخلاص، حركة تحرير السودان الكبرى..ألخ.
أما على طريقة محمد أحمد فقد كانت هي ما تعاملت به الحكومة مع القوات الدولية في بادئ الأمر، فكان قسم الرئاسي الشهير، حين قرر الرئيس البشير أن يتعامل مع القضية هكذا بغير حساب خائب..فكانت نتائجه أن تكسَّر كثير من الكيد الدولي على صخرة الإصرار.
ولكن في الحلقة الأخيرة من المسلسل اليومي، عادت الحكومة إلى طريقة سيد أحمد، وحسبت أنها ستنهي مشاكلها حين تقبل بخطة الدعم الثقيل وتغلق الأفواه المتربصة، وما أن وقعت في أديس حتى لبسوا لها أوجه الحديد، وانطلقت تهديدات بوش و بلير بالعقوبات، وتسَّرب تقرير الطائرات المزعوم من أدراج مجلس الأمن إلى الصحافة الأمريكية.
فيا صاحبي إذا أدركت الفرق بين (محمد أحمد) و(سيد أحمد)، فستعرف الفرق التاريخي بين أحمد و(حاج أحمد)

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تاريخ  أحداث  أحداث سياسية