نتج التعب الصباحي عن عدة أسباب في مقدمتها ما يعرف باسم انخفاض الضغط الوقوفي ويتميز التعب الصباحي الناجم عن هذا الإنخفاض بمميزات خاصة ، فطالما بقي النائم متمددا ًفي سريره تجده يشعر أنه في حالة جيدة ، لكن ما إن يستقيم ويقف على قدميه حتى تبدأ المشكلة فيشعر المصاب بالفراغ والإنهاك ويحصل هذا الشهور إثر انخفاض مفاجىء وعنيف في ضغط الدم يرتبط بوضعية الوقوف ، ومن هنا تسمية " انخفاض الدم الوقوفي ، ولهذا الإنخفاض أسباب عضوية .

 
ففي الحالات الطبيعية عندما ينتقل المرء من وضعية التمدد الأفقية إلى وضعية الوقوف العمودية فإن جدران الأوعية الدموية الموجودة في الجزء الأسفل من الجسم تتقلص فوراً الأمر الذي يدفع الدم إلى الصعود نحو أعلى الجسم وبشكل خاص القلب . أما عند الأشخاص المصابين بانخفاض الضغط الوقوفي ، فإن هذا التقلص التلقائي يحصل بشكل سيء أو متأخر وبما أن الدم يخضع لقوانين الجاذبية فإنه يهبط نحو الأوعية السفلى في حين يبقى القلب محروماً منه . 
 
وينتج عن هذا الأمر انخفاض في الدفق الدموي القلبي وفي الضغط الشرياني .
وتظهر الفحوصات التي يخضع لها المصابون بانخفاض الدم الوقوفي والتي تستخدم فيها أجهزة دقيقة لقياس الدفق الدموي . أن كمية الدم في الأعضاء السفلى يمكن أن تزيد بمقدار يتراوح بين نصف لتر ولتر عن الكمية الطبيعية وهذه الزيادة تعني نقصاناً مماثلاً في الدم الذي يستخدمه القلب لتغذية أعلى الجسم بالأوكسجين وتحديداً الدماغ الذي يعتبر أكبر مستهلك للأوكسجين في الجسم ، والتعب الذي يحدثه هذا الهبوط الدموي أسفل الجسم يشبه إلى حد كبير التعب الذي يصيب المرء بعد سحب كمية مماثلة من الدم في جسمه وعدا هذا الشعور المباغت بالفراغ والإنهاك الذي يسببه انخفاض الضغط الوقوفي لدى الاستيقاظ والوقوف على القدمين، فإن هناك اضطرابات أخرى تميز هذه الإصابة ، وأول هذه الاضطرابات تعب يبدأ بالظهور إثر الوقوف طويلاً على القدمين دون حراك ، ويكون هذا التعب أكثر حدة في الصباح منه في المساء ، ويبدو في الواقع أو ردود الفعل المنظمة للضغط تتحسن مع تقدم النهار فمن المؤكد أن الذين يشكون من انخفاض الضغط الوقوفي يشعرون بتحسن حالتهم بعد الظهر . 
 

الدوار والطنين :

ومن مميزات هذه الإصابة أن التعب يترافق غالباً مع إنهاك ذهني يظهر على شكل صعوبة في التركيز والتركيز، ويضاف إلى ذلك أعراض أخرى  مثل الإحساس بالدوار ، فعندما يجد شخص ما نفسه مضطراً صباحاً إلى الجلوس على حافة السرير لبعض الوقت قبل التمكن من الوقوف على قدميه مخافة الدوار والسقوط ، يكون هناك احتمال كبير بإصابته بانخفاض الضغط الوقوفي . ومن أعراض الإصابة أيضاً حصول اضطرابات بصرية مثل الإنبهار ورؤية نقاط سوداء كالذباب أو توهم رؤية ضباب ويعاني المصاب أيضاً من آلام في الرأس لا تتركز في مكان محدد . 
 
كما يشعر بفراغ في رأسه ليس في الحقيقة مجرد شعور بل هو مطابق إلى حد ما للحقيقة لأن الرأس يكون مفرغاً من جزء من الدم الذي يحتاجه . كذلك يشعر المصاب بخفقان متسارع في القلب ، وهذا الخفقان ينتج عادة عن رد فعل يقوم به القلب تجاه نقص الدم الذي يعانيه . أيضاً تظهر آلام سببها أن عضلة القلب تفتقر إلى الأوكسجين غالباً ، وفي الحالات القصوى في الإصابة بانخفاض الدم الوقوفي يمكن أن يفقد المريض وعيه لبضعة ثوان من آن لآخر .
 

احذر مدرات البول :

ويمكن لهذا المرض أن يصيب أياً كان ، ولكن بعض الأشخاص معرضون للإصابة به أكثر من غيرهم ويجب أن نعلم من قبل كل شيء أن بعض أنواع الأدوية تزيد من احتمالات حصوله وعلى رأس هذه الأدوية مدرات البول ، ولذا ، فإن الشخص المصاب بارتفاع الضغط الذي يتلقى علاجاً بالأدوية المدرة للبول يمكن أن يصاب بانخفاض الضغط الوقوفي وهناك أدوية أخرى يمكن أ تؤدي إلى النتيجة نفسها منها مضادات الإنهيار العصبي ومهدئات الأعصاب ومن الأشخاص الأكثر تعرضاً للإصابة بانخفاض الضغط الوقوفي نذكر أولئك الأشخاص الأكثر تعرضاً للإصابة بانخفاض الضغط الوقوفي نذكر أولئك المصابين بتمدد وريدي في السيقان وهو ما يعرف بمرض الدوالي ، ذلك أن الدم لدى هؤلاء يميل عادةً إلى الهبوط نحو الأطراف السفلى لتعبئة الأوعية الدموية المتمددة ، ويصيب هذا المرض عدداً كبيراً من المسنين لأن ردود الفعل في أجسامهم تتباطأ مع مرور الزمن وتصبح أقل قدرة على التأقلم مع تغير وضعيات الجسم ، وإذا لم يتم علاج المرض لديهم فإن الإضطرابات التي يولدها تصبح شديدة ، ويمكن أن تصل إلى حد فقدان الوعي القصير ، ومما لا شك فيه أن فقدان الوعي لدى المسن أكثر خطورة منه لدى الشباب ، لأن عظام المسن أضعف وأكثر خطورة منه عرضة للإنكسار ويعتقد بعض الأطباء أن العدد الأكبر من الكسور في الحوض وعظام الفخذ سببه في الحقيقة الغياب عن الوعي نتيجة الإصابة بانخفاض الدم الوقوفي من جهة أخرى ينبغي أن لا يغيب عن اعتباراتنا أن شرايين الدماغ تفقد مع مرور الزمن مرونتها ، وإذا أصبحت بالإضافة إلى ذلك سيئة التغذية بالأوكسجين فإن احتمالات الإصابة الدماغية ترتفع ، كذلك يصيب انخفاض الضغط الوقوفي بعض الشباب لا سيما طوال القامة منهم . 
 

اختبار لا يخطىء :

غير أن تعداد هذه الفئات لا يعني أن الفئات الأخرى هي في منأى عن المرض فهو يمكن أن يصيب الجميع بمن فيهم الأطفال ولأسباب غامضة ويعبر هذا المرض أحياناً عن وجود هشاشة في الجهاز العصبي النباتي ، وهو الاسم الذي يطلق على مجموع الأعصاب التي تدير حركات وعمل أعضائنا وخصوصاً تقلص الشرايين والأعصاب التي تقلص الأوعية الدموية تكون قوية لدى البعض وضعيفة لدى البعض الآخر ، دون التمكن من معرفة أسباب الإختلاف بينها وما يزيد في ضعف هذه الأعصاب أن الإنسان الحديث يميل أكثر فأكثر نحو نمط من الحياة يخلو من الحركة والمشي ، ويؤدي هذا الأمر إلى ضعف العضلات التي تدعم جدران شرايين الساقين ، لكن الاضطرابات التي عددناها سابقاً يمكن أن تعبر عن أمراض كثيرة فكيف يمكننا معرفة أن ما حصل قد نتج فعلاً عن الإصابة بمرض انخفاض الضغط الوقوفي ؟ 
 
الوسيلة الوحيدة غاية في البساطة ألا وهي القياس المزدوج لضغط الشرايين ، حيث يقوم الطبيب بقياس الضغط في وضعية الإستلقاء ثم يقيسه ثانية في وضعية الوقوف دون حراك ، فهبوط الضغط الناتج عن المرور من وضعية الاستلقاء إلى وضعية الوقوف يكون معتدلاً لدى الأشخاص الأصحاء ، أما لدى المصابين بانخفاض الضغط الوقوفي فيكون الفرق بين رقمي قياس الضغط الأكبر والأصغر قليلاً .
 
هذا الإختبار لا يخطىء وهو الذي يقود إلى تشخيص أكيد للمرض . وما أن يوضع التشخيص فإن العلاجات الأكثر فعالية هي الأدوية المشتقة من نبات مهمازالجودر الذي يشبه الشعير وتهدف هذه الأدوية إلى تحسين ردود الفعل التي تتحكم بتقلص الشرايين ، وفي 75 % من الحالات تكفي هذه الأدوية لإزالة الاضطرابات ، لا بل يمكن القول إنها تغير حياة المريض وتمده بنشاط جيد لم يشعر به منذ سنوات ، ويكون الدواء على شكل قطرات أو على شكل حبوب وهو خال في معظم الأحيان من الآثار الجانبية والآثار السيئة الوحيدة التي يمكن أن تحصل هي أوجاع الرأس والغثيان وبعض الاضطرابات المعوية ، لكن ما يجب أن يبقى حاضراً في الذهن هو أن هذه الأدوية يمكن أن تتعارض في تأثيرها مع أدوية أخرى فينتج عن هذا التعارض مزيج خطر أحياناً .
 
كذلك يمكن لبعض الإجراءات الصحية العامة أن تحسن وضع المريض وتساعد على عودة الدم إلى مجاريه نحو القلب ، وفي هذه الإجراءات قيام المصاب بدوالي القدمين بوضع جوارب طبية خاصة تدفع الدم نحو أعلى الجسم ومنعه من الإستقرار في شرايين الأطراف السفلى ، والمشي لبعض الوقت يومياً لأن هذه الرياضة تقوي شرايين الأطراف وممارسة السباحة لأن الماء البارد ينشط ردود فعل الشرايين ، ومد القدمين على مستوى الجسم كلما أمكن ذلك .

المراجع

مجلة طرطوس

التصانيف

صحة   العلوم التطبيقية