طبعا هذه مشكلة، كنت أعرف كاتبا في مصر، وكان صديقا لي، اسمه يحيي الطاهر عبد الله، جل مؤلفاته قصص قصيرة، لكنها قصص صعبة جدا، وهو إنسان بدوي، ولم يكن يعرف أية لغة أجنبية، ولا قرأ الأدب الأوروبي، ومرجعيته كانت هي الثقافة الشعبية المصرية، وألف ليلة وليلة وغيرها في الأدب العربي. وقد كنت مترددا في البداية عندما فكرت في ترجمة قصصه، فالذي يريد ان يترجم لا بد أن يترجم شيئا مفهوما عند القارئ الأجنبي، وفعلا قمت بترجمة مجموعة من قصص يحيي الطاهر عبد الله، ولا أعرف ما هو رد فعل القارئ الإنكليزي. يعني من الصعب أن أضع نفسي مكان هذا القارئ الغربي العادي، لأنني لست قارئا غربيا، فحياتي عشتها في البلاد العربية، وأمتلك مرجعية تجعلني أفهم الأدب العربي الحديث. إن المسألة معقدة جدا، فأحيانا تجد كاتبا مهما وممتازا، وله مكانته الخاصة في الأدب العربي الحديث، ولكن لا يرضي القارئ الأجنبي.
لقد بدأت أكتب سيرة حياتي، وهي تقريبا كاملة ـ والحياة الحمد لله ما زالت مستمرة ـ وبعد ذلك فكرت في الحديث عن الترجمة، وأحسن طريقة للحديث عن الترجمة، بالنسبة لي، هي كتابة مذكراتي في الترجمة.. وفي نفس الوقت كنت أشتغل علي أنطولوجيا الأدب العربي الحديث، حيث اخترت سبعة وتسعين (97) كاتبا من شتي البلاد العربية، اخترت نموذجا من نصوصهم إما قصة أو جزءا من رواية، وبالطبع كانت عملية كبيرة جدا، وسيظهر إلي الوجود بعد ستة أشهر أو سنة، وخلال هذه المدة كنت أكتب هذا الكتاب (مذكرات مترجم) بالإنكليزية طبعا، وهو عن تجاربي كمترجم منذ بدأت أمارس الترجمة سنة 1946، والكتاب يتناول اتصالاتي، وصداقاتي مع الكتاب العرب في مصر، وغيرها من البلدان العربية، وأنا الآن أضع اللمسات الأخيرة لهذا الكتاب، وإن شاء الله سيظهر في آخر السنة وسيترجم إلي العربية..
الأمانة في الترجمة
سأجيب من خلال حكاية وقعت لي شخصيا. إن أول ما ترجمته هو قصص لمحمود تيمور وطبعا اخترت تيمور لأن أسلوبه كان سهلا، وهو أول تجربة لي في الترجمة، فاخترت له عشرين قصة، ونشرت الكتاب علي نفقتي الخاصة، وقبل أن أنشره أعطيت الكتاب لشخص لكي يقول رأيه فيه، إن الكاتب عادة حين يطلب رأي شخص ما لا يريد أن يسمع إلا المدح، وأنا استغربت من رأيه في الكتاب حين قال لي: القصص جميلة، لكن الترجمة غير مضبوطة، فقلت: كيف ذلك؟ قال: أنا لا أعرف اللغة العربية، لكن إنكليزية هذه القصص لا تمت بصلة للإنكليزية التي أعرفها، وبدأنا نتحدث في التفاصيل ووقفنا عند مجموعة من الجمل فأصر صاحبي علي أن الإنكليزية لا تقول كذا، مثلا، وكنت أقول له: لكن النص العربي يقول ذلك بهذه الطريقة، وأجابني قائلا: أنا لا يهمني كيف تقال هذه العبارة بالعربية لأنني لا أعرفها، ما يهمني هو اللغة الإنكليزية، فأنا أريد أن أقرأ عبارة إنكليزية. لقد استغربت من كلامه فعلا، لكنه قدم لي درسا في الترجمة، وبذلك فالترجمة الحرفية لا قيمة لها، وخصوصا مع لغات تختلف كثيرا من حيث أصولها المختلفة، لا بد للمترجم أن يأخذ المعني ويحوله إلي جملة جديدة..
إذن هناك عوائق في عملية تحويل نظام ثقافي معين إلي نظام ثقافي آخر..
نعم، إن السياق الثقافي في لغة ما غيره في لغة أخري، مثلا كيف يمكن أن نترجم الجملة التالية: فلان صلي ركعتين ، كيف توصلها للقارئ الأجنبي، فمن غير المعقول أن تقدم له درسا في الدين الإسلامي، وفي طريقة الصلاة، فلا بد من طريقة سهلة لكي يفهم هذا القارئ الغريب عن السياق الثقافي. هناك مترجمون يضعون هوامش كثيرة للنص، وأنا ضد هذه الفكرة تماما.. بالنسبة إلي إذا كان هناك شيء ما غامض في النص فإني أحاول أن أشرحه من خلال النص، وليس بالهوامش، طبعا هناك أشياء صعبة الفهم وهذه هي العوائق التي تواجه من يترجم نصا من العربية إلي لغة أخري،.. والمترجم من مهامه الأساسية أن يأخذ بيد القارئ وهو يعبر من ثقافة إلي ثقافة..
أنت معروف كمترجم، وتكتب أيضا القصة القصيرة، وصدرت لك في هذا الشأن مجموعة قصصية بعنوان مصير أسير سنة 1999، لماذا هذا التحول، وهل لترجماتك تأثير في ذلك؟
لا أظن ذلك، يجب أن تعلم أنني كتبت كثيرا في حياتي، وفي بداياتي وأنا شاب نشرت روايتين باسم مستعار. إنها مسألة نشر بالأساس، فالكاتب إذا كان علي يقين من أنه سيجد ناشرا فإنه لا محالة سينتج، وخارج هذه الضمانات يعيش الكاتب أزمات كثيرة.. وأنا لو جلست سنة بكاملها لكتابة رواية فإنني لا أضمن لها ناشرا، ومجموعتي القصصية التي نشرتها، سبق أن نشرت بعض قصصها في مجلات متعددة، وبعضها الآخر وضعته في الدرج، وذات يوم طلب مني أحد الأصدقاء نشرها، فأرشدني إلي الناشر كورتيك الذي سبق له أن نشر لمجموعة من الأدباء العرب مثل زكريا ثامر وسلوي بكر وغيرهما، وفعلا نشرتها الدار.. وقد كتبت أيضا للأطفال، ليس لأنني أحب الكتابة لهم، ولكن لأنني وجدت بعض دور النشر المستعدة لنشر هذا الصنف من الكتب. وقد جئت إلي كتابة الأطفال بالمصادفة، والذي حصل هو أنني ذات يوم كنت مع صديق في منزله، وهو من أغنياء العالم، وسأل ابنه، من هو أبو بكر؟ فأجابه بأنه لا يعرفه، وعمر بن الخطاب فأجاب مرة أخري بالنفي، وبعد ذلك قال له، ما هو دينك فقال: أنا مسلم، فقال له: مسلم لكن جاهل، وإذا به استدار نحوي وقال لي: هل ممكن أن تكتب للأطفال، فأجبته أنه لم يسبق لي أن فعلت ذلك، لكن ممكن أن أجرب، لم لا، فقدم لي شيكا بمبلغ محترم. إنها عملية غريبة لأنني صرفت الشيك، وبعدئذ ذهبت إلي إرلندا لكي أكتب هذا الكتاب، لكني لم أتمكن من ذلك، وكنت علي وشك أن ارجع إلي السيد ماله، فعاندت نفسي وصممت علي التحدي.. وفي الأخير كتبت كتابا يحتوي علي سيرة الرسول، وفيما بعد اخبرني أحد الأصدقاء أن شخصا إنكليزيا متزوجاً من مصرية يعتزم تأسيس دار نشر خاصة بكتب الأطفال، فالتقيت بالناشر، واتفقت معه علي تأليف كتابين، لكن شرط أن يكون أحدهما عن جحا لأنني مغرم بهذه الشخصية، وبعد ذلك كتبت له قصصا مستوحاة من الثقافة الشعبية المصرية ومن ألف ليلة وليلة، وكانت الحصيلة هي ستة عشر كتابا خاصا بالأطفال، وبعد ذلك ترك مصر، فالتقيت بناشر آخر كنت أعرفه وهو دار شروق في مصر، وطلب مني أن استمر معهم في الكتابة للأطفال (وكانت السيدة أميرة أبو المجد هي التي تترأس هذه السلسلة) وفعلا اشتغلت معهم، وكتبت لهم عشرين كتابا. وإجمالا هذه هي قصتي مع الكتابة للأطفال، كل شيء، بالمصادفة، تنجح مشاريع الكتابة والترجمة إذا كان هناك ناشر يضمن خروجها إلي الوجود.
أعود معك إلي مجموعتك القصصية، التي لم اطلع عليها مع الأسف، وأتساءل عن العوالم التي تعالجها، فأنت عشت في العالم العربي أكبر فترة من عمرك، هل تستوحي فضاءاتها من صميم الواقع العربي أم أن عوالمها مغايرة لهذا الواقع؟
نعم إن معظم هذه القصص تدور حوادثها في العالم العربي وأوغندا.. الخ، فمرجعيتي هي الحياة في البلاد العربية التي عشت فيها.
لكن هل شخصياتك وأبطالك تمارس حياتها باعتبارها أجنبية عن العالم العربي أم أنها منسجمة مع هذا العالم.
هذه ملاحظة عجيبة، لأن ناقدا كتب عن المجموعة، وقال إنني عالجت المواضيع من خلال نظرة أجنبي يعيش في بيئة مختلفة عنه، وفعلا معظم القصص تعالج مواضيعها عبر شخصيات لها نظرة الغريب.
لكن لماذا وقد عشت في العالم العربي فترة طويلة لم تستطع أن تؤسس ألفة مع المكان؟
إنها مسألة جذور، فالشخص يحتاج إلي جذوره، فأنا مثلا ولدت في كندا، وتركتها وعمري سنتان، وليس عندي أي حنين لهذا البلد، ولم أزرها بعد ذلك ولا مرة واحدة، ورحت إلي إنكلترا وعمري اثنتا عشرة سنة، وبصراحة لم أحبها، لأنني جئت من أوغندا وكينيا، يعني حياة مختلفة تمام الاختلاف عنها في انكلترا، فأيام الدراسة التي قضيتها بها كانت قاسية، بالإضافة إلي أنني لم أتعود علي جو البرد القارس، فأنا لا أحس حين أنزل بمطار لندن أنني راجع لبلدي، إن جواز سفري إنكليزي لكن لا أحس بهذا الانتماء الإنكليزي، لكن ممكن أن تسألني وأين بلدك؟ وجحا قال: بلدك هو الذي توجد فيه زوجتك، ورغم ذلك فالإنسان ممكن أن يقابل الغريب كأنه منه، لكن هل هذا الغريب يقبله هو، لا أريد أن أتعمق في هذا الموضوع لأنه صعب ومعقد.
الانتقال إلى المغرب
قررت أن تعيش في المغرب بشكل نهائي، وقررت أيضا ترجمة أنطولوجيا قصصية لمغاربة. ما هو الهدف من ترجمة هذه النصوص؟ وهل هناك علاقة ما بين الاستقرار في المغرب، وترجمة أنطولوجيا قصصية مغربية؟
ما دمت قد اخترت المغرب موطنا، فلا بد أن أقوم بشيء ما لهذا البلد، فأنا أعرف انه لحد الآن. ليست هناك أي أنطولوجيا قصصية مغربية بالإنكليزية، طبعا هناك ترجمات لبعض النصوص المغربية لكنها قليلة، لأن معظم الأدب المغربي مترجم إلي الفرنسية.. وهذا المشروع الذي اشتغل فيه الآن ما هو إلا بداية لمشاريع أخري، وأتمني أن أجد ناشرا لهذه الأنطولوجيا لكي أبدأ في العمل لأنني لا أحب أن أشتغل في عمل إلا بعد أن أضمن الناشر الذي سيخرجه للوجود.[1]
العودة إلى القاهرة
تركت مصر بعض الوقت عندما حدثت مشكلات مع الجامعة الأمريكية، لكنى عدت مجددا، واشتريت بيتا بقرية «تونس» فى الفيوم، حيث أفضل الحياة بعيدا عن القاهرة، ولو استطعت لعشت هناك دائما، وبالطبع اختلفت مصر كثيرا، وأعتقد أنكم أعلم منى بذلك، النفاق والتلوث والزحام فى تزايد.
اسهام متصل
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلي أن دنيس جونسون ديفيز كان يصدر مجلة ثقافية فصلية، في أوائل الستينيات، بعنوان أصوات ، وهي باللغة العربية، نشر فيها السياب والبياتي وغسان كنفاني، وزكريا تامر وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم من الكتاب والأدباء، ودام صدورها سنتين ونصفاً بأربعة عشرة عددا، وهي مساهمة منه في البحث عن أصوات جديدة والتعريف بها، لتساهم بشكل فعال في المشهد الإبداعي العربي.. لا يسعنا إلا أن نقف مذهولين أمام هذا العمل الجبار الذي قام به هذا المترجم المتواضع والودود، والذي يفيض محبة للعرب وللأدب العربي. وهو الآن عاكف علي ترجمة القرآن الكريم مع الأستاذ والباحث الدكتور عز الدين إبراهيم (المستشار الثقافي لسمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله)، وبما أن القرآن الكريم صعب بالنسبة للأجنبي، فقد قاما بترجمة أجزاء كبيرة منه، تكون مبوبة من حيث الموضوع، وقد سبق لهما أن ترجما الأحاديث النبوية، والأحاديث القدسية، وكتاب ابن تيمية الكلم الطيب ..
بعض الأعمال الأدبية العربية التي ترجمها جونسون-ديفيز
المختارات القصصية العربية
(القصة العربية الحديثة 1967)،
(قصص عربية 1983)،
(تحت السماء العارية 2002).
المجاميع القصصية
(قصص من الحياة المصرية لمحمود تيمور)،
(جبل الشاي الأخضر ليحيي الطاهر عبد الله)
(الوقت والمكان مختارات قصصية لنجيب محفوظ)
(آخر كوب من الشاي لمحمد البساطي)
(كيد الرجال لسلوي بكر)
(النمور في اليوم العاشر لزكريا تامر)
(قنديل أم هاشم وقصص أخري ليحيي حقي).
الروايات
نجيب محفوظ: (رحلة ابن فطومة)، (ليالي ألف ليلة).
الطيب صالح: (عرس الزين)، (موسم الهجرة إلي الشمال)، (بندر شاه ومريود).
صنع الله إبراهيم: (تلك الرائحة).
محمد البساطي: (البيوت وراء الأشجار).
المسرحيات
ترجم مجموعة من مسرحيات توفيق الحكيم (مصير صرصار أربع مسرحيات )، (يا طالع الشجر) وغيرها. الشعر: (موسيقي اللحم البشري لمحمود درويش).
بالإضافة إلي مجموعة قصصية صدرت له سنة 1999 بالإنكليزية بعنوان: مصير أسير وسيصدر له في نهاية هذه السنة كتاب بعنوان مذكرات مترجم . وكتب أيضا للأطفال حيث أصدر أربعين كتابا كلها تمتح من الثقافة العربية الإسلامية: خالد بن الوليد، صلاح الدين الأيوبي، عمرو بن العاص، ابن بطوطة.. الخ، وأيضا كتب عن قصص جحا الشخصية المفضلة عند ديفيز..