الظلام ينتشر دامساً من حوله ، ولكن ليس أشد حلكة من ظلام قلوب الأخوة الأحد عشر،
تكور على نفسه من شدة البرودة ، صدرت عنه آهة تشكو برودة قاع البئر وقسوتها ، ارتدت
إليه بعد أن اصطدمت بجدران البئر الصماء .
عواء الذئب ينتشر في الأصقاع الباردة .
-
لماذا يستمر في العواء ............... ألم يشبع يعد ؟.
تظهر عينا راحيل الباكيتان من خلال الظلام .
-
انظري ماذا فعلوا بي أمي ، ........ البرودة تمزق أوصالي ..... قتلوني يا راحيل .
قالت عيناها :
-
استجب لهم يا يوسف .
-
يريدون أن أنقلب إلى ...... ذئب !.
وبكت راحيل .
-
لماذا تبكين ؟.
-
كلنا ذئاب يا يوسف .
صرخ يوسف :
-
لا ....... لن أصبح ذئباً .
قالت مشفقة :
-
سينقلب البئر إلى وحش يمزقك .
-
إن تحولت إلى ذئب سآكل نفسي في نهاية المطاف .
-
عد إلى حضني يا يوسف .
-
هل أعود ذئباً ؟.
أغمضت عينيها بأسىً ، ولم تفتحهما .
-
عودي يا راحيل ...... لست أحتمل الوحدة .
ضحكات الأخوة الأحد عشر تأتيه من خلال فتحة البئر ، الظلام يزداد حلكة ، ويزداد معه
الخواء في لحظات الصمت ، تصل إلى سمعه مجموعة أصوات عاوية ، كان عواء قطيع من
الذئاب ، خيل إليه أن ذئباُ يحمل في فمه أحد عشر ناباً أسوداً قد أطل من خلال فوهة
البئر ، غطى عينيه بكفيه ، وصرخ نافيا :
-
لا ....... محض خيال .
ظلمات البئر تصدر صريراً يشبه الضحكات ، صوت نواح أم يأتيه من عالم بعيد ......
بعيد .
-
عودي يا راحيل ..... ضميني على دفء حضنك .
صقيع الصحراء بدأ عواءه المجنون ، عاد يوسف للتكور من جديد :
- لماذا سرقتم قميصي ؟، يكاد يقتلني الصقيع .
ثم
عاد كمن ينفي :
-
لا ،.... لقد مزقه الذئب .
لا
تبك يا يعقوب ، عد إلى فراشك ،..... يوسف أكلته الذئاب وانتهى أمره منذ زمن موغل في
القدم ، فلماذا البكاء يا يعقوب ؟.
-
هاهم يرقصون حول النار ، … يرقصون ……. ويرقصون …. ويرقصون .. إلى أن يتساقطوا حول
النار الراقصة .
صاح
ذئب :
-
انتهى يوسف إلى الأبد ، قتلته الذئاب ، ولن يعود ، ….. ابكوا يا أخوتي فرحاً …….
ابكوا.
بنيامين مات أيضاً ……. تحول إلى ذئب يعوي .
عاد
الذئب بنيامين إلى البئر ، وأطل براسه :
-
لقد كبرت كثيراً يا يوسف .
لم
يجبه يوسف ، نهش بنيامين الذئب ذراع يوسف فاقتلعها ، صرخ يوسف ألماً ، قال بنيامين
ساخراً :
- مت بجراحك النازفة .
نزفت الدماء من الجرح ، وغطى دمه أنحاء جسده .
-
لماذا يا بنيامين الذئب ؟.
عاد
وأطل برأسه :
-
الذئاب لا تعترف بك ،……. عد من حيث أتيت …… إلى رحم أمك .
صرخ
يوسف كمن تذكر بعد نسيان طويل :
-
أمييييييييييي ...... راحييييييييييييييييل .
عاد بنيامين الذئب ، وضحك بغرور :
-
أنج بنفسك يا يوسف .
-
ماذا تريدون ؟.
-
أن تنقلب إلى ذئب .
-
لا أستطيع .
قال
بنيامين :
-
إذن ، فلتلتهمك الأرض .
بعد
ليال عاد بنيامين الذئب مستفسراً :
-
يوسف أيها الصديق ……. أفتني في نجم هوى من السماء إلى قيعان مجهولة ، اختفى هناك ثم
لم يعد .
قال يوسف باطمئنان :
-
إنك لتنعى إليَّ نفسي .
ضحك
بنيامين ساخراً :
-
لسوف تريحنا من عنائك أيها .......... الإنسان
ازداد تدفق الدماء النازفة من جراحه ،... أسند رأسه إلى صخرة حادة ، ولم يعد يبالي
بالألم النازف من جراحه ، فتح عينيه المغمضتين ، اتسع شق صغير في قاع البئر
،....... أخذ يزداد اتساعاً ... اقترب من يوسف ، أخذ يشد جسد يوسف إليه ... لم
يستطع الجسد المنهك المقاومة ، ابتلعه الشق ،............ وغاص يوسف في بطنه .
