"جدار الوهم ليس له حدود؛ وإغراق النفس في الأحلام يقودك إلى جنون الأوهام التي
تزداد سماكة جدرها الصلبة ، كلما أوغلت في البحث عن طريقة للخلاص لعنتها أيها
السجين ".
هكذا قالوا لك عندما غادرت القرية باحثاً عن الحلم ...... حلمك ، هكذا زعموا ....
أرادوا أن يرضعوك حليب الخوف منذ الصغر، هذا ما جادت به قرائحهم ليعلموك إياه !،
إذن فلأنطلق بعيداً تاركاً لهم ذلك الوهم ليقتطعوا منه قوت عيالهم .
-
أيها المجنون .... محيطك جفاف وعطش، وخليجك شواطئ ساكنة ليس لها مد أو جزر ، فلا
تلوع قلب أم وضاح.
قال القلب الملتاع :
-
لا تتركني فريسة لشوقي إليك .
-
والظمأ ؟.
-
كلنا يعاني من الظمأ .
-
كلكم لا تريدون البحث عن الماء .
-
عندما ضربنا الأقداح نهتنا عن البحث عن الماء ............ وهكذا قالت لنا الأزلام
.
-
لكنها رجس من عمل الشيطان ؟!.
-
هذا ما ورثناه عن آبائنا .
-
إنما نهتكم عن ذلك لأن فيه فقدان لهيبتها أمامكم .
-
أعرف ولكن ............. لا خلاص .
-
أي جبن رضعتموه ؟.
صرخت :
-
لقد لعب شيخ الجامع في رأسك وزرع فيه تلك الأوهام قبل أن يلقى حتفه تحت أقدام أهل
القرية .
-
ما هو إلا حبيبٌ النجار .
-
ما أنت إلا عاق ستجلب الشقاء لأمك .
-
وداعاً أيتها الشقية بولدك .
وذهب الفتى وضاح ممتطياً ظهر همام .
بالرغم من تبدل النظريات وانقلابها رأساً على عقب إلا أن الصحراء ما زالت تحتفظ
بهيبتها ووقارها بعدما تنازلت عن واحاتها جميعها .
عطش
الصحراء يزداد كلما أوغلت في العمق .
-
وأعماقها ؟.
-
مياهها سرقها اللصوص ،.. . أو سحبتها الأنابيب الغريبة .
يزداد لهاث وضاح في الصحراء كلما ازدادت خطوات حصانه الظمآن همام سرعة ، وكلما جاءه
صوت أمه القادم من بعيد :
-
الآلهة ستغضب يا ولدي .
-
الآلهة نشرت الجوع يا أمي .
-
أقسمت بأنك لو ذهبت لن تعود إلا ........ إلا
ووضعت كفها على فمها وصمتت رعباً .
-
إلا ماذا أيتها العجوز ؟.
-
إلا محمولاً في ....... في .... نعش .
تحول وجهها إلى بقعة سوداء ، وبقايا عظام غطاها الجلد باستحياء عندما نطقت كلمتها
الأخيرة .
-
لا تخافي أيتها الأعرابية ...... سوف أعود .
الخوف يقطع أوصالك ، إنك لتعرف أنك لن تعود أبداً ، كما قالت أمك الأعرابية .
الحصان لم يعد يقوى على الصهيل لشدة عطشه ، تناول الفتى قربة الماء الفارغة ،
ووضعها في فم همام ، لفظها الحصان بحزن ، فألقاها وضاح فوق الرمال.
أشعة الشمس سهام تنغرس في اللحم الأسمر ، سهام حامية ، والوجع يزداد انتشاراً في
الجسد الغض .
أظل
وضاح وجهه بكفه اتقاءاً لأشعة الشمس :
-
ما أقوى أشعتك يا شمس الصحراء .
"
إرم ذات العماد " بادية ملامحها في الأفق، بريقها يكاد يخطف الأبصار، أخذت تقترب
شيئاً فشيئاً.
-
أي أسطورة هذه الحياة، أسطورة أنت يا شمس الصحراء .
من بعيد ...... وراء الأفق تظهر صورة الأعرابية ......... أمه :
-
لن تصنع بذهابك الأساطير ............. فعد إلى حضني .
-
الحضن الدافئ والعطش لا يجتمعان .
-
سألقمك ثديي
-
أولا تدرين أيتها الأعرابية أنه قد جف منذ أمد بعيد ......... الجفاف والقحط سرقا
مني نشوة الفوز بحليبك يا أمي .
أخذت الكثبان تنمو شيئاً فشيئاً ، .... جعلت صورة العجوز أمه وقصور إرم خلفها ،
الكثبان البيضاء غطت الأفق .
كثبان الملح تزداد مساحتها وتتسع .
-
وجدران الوهم تزداد صلابتها .
-
لست واهماً .
قام
الفضاء الواسع بابتلاع الصرخة .
صهل
الحصان صهيله الأخير ، وارتمى في حضن الرمال ، بكى وضاح وهو يقبله :
-
لمن تتركني يا همام ................ لا أحد يؤمن بما أومن به سواك ؟.
رفع
الحصان رأسه ، ثم عاد وأسلمه للرمال بعدما لفظ أنفاسه الأخيرة، بكى وضاح:
-
ما بك تركتني وحيداً أصارع كثبان الملح ؟.
نظر
إلى الكثبان ...... كانت قد تحولت إلى جبال ظلت تبتعد في الصحراء حتى تحولت إلى
نقطة ملحية بيضاء .
-
تركتني أصارع العطش وحدي يا همام ؟.
تحول همام إلى قطعة جليد وسط حر الصحراء ، ذاب همام في الصحراء ، وذابت الصحراء حتى
امتزجت رمالها بدم همام .... وغاص جسد همام في رمالها .
وقف
الفتى تحاصره الرمال وحيداً بعدما غاب همام ، التبست عليه الدروب فلا اتجاه يرى ولا
طريق.
عند نقطة التقاء الشمس بالأفق الغربي، أبصر الفتى قصوراً تعانق السماء ، يحيط
بها سور عظيم ليس له حدود، أخذ الفتى يجري محاولاً الوصول إليها، لكنها كانت
الأسرع ، كلما ازدادت سرعة الفتى ازداد السور ابتعاداً .
وقف
يلهث
-
لقد أخبرك المعلم بذلك قبل أن يموت :
إياك أن تجري خلفها
لن
تستطيع اللحاق بها
لن
تستطيع الوصول إليها
إنها مدن السراب يا ولدي .
-
الملح يحاصرني ؟.
قال
المعلم :
مدن
السراب تقطنها الأفاعي
ليس
هناك من ساكن آخر فيها سوى الأفاعي
سورها هو الوهم العظيم .
-
العطش يسلبني قوتي ؟.
قال
المعلم :
كثبان الملح صارت جبالاً
وجبال الملح سدت الأفق
مدن
السراب يسكنها العطش
والعطش يمزق الأعماق
والأعماق مسكونة بالخوف
-
الماء مفقود ؟.
قال
المعلم :
الخليج تغمره المياه
والمحيط تمطره السحب
......................؟.
سقط
الفتى على الأرض ، وغطته أكوام الملح .
النسر الذي يطير في سماء القرية كل يوم ؛ ليحط فوق مداخلها ؛ محدقاً في وجوه أهلها
،
قالوا أن هذا النسر ................
يدعى وضاحاً .
