عندما كان يتجول برفقة صديقه في السوق بمركز المدينة أو بالأحرى ما يسمى قاع
المدينة ، حيث تتداخل الأسواق والمحلات الشعبية مع المحلات الراقية ، وتصطف البسطات
المتحركة أمام أنفس وأثمن المحلات التجارية ، وتنافس مطاعم الفول والفلافل ومحلات
الوجبات السريعة ، أفخم وأبهى مطاعم المشاوي والأسماك والأحياء البحرية ، ويختلط
الناس بكافة أنواعهم وطبقاتهم ومستوياتهم واختلاف جنسياتهم وألوانهم ومشاربهم ،
رجالا ونساء من عرب وأجانب أتوا من أصقاع شتى ، ويتلاحمو ن جميعا بالأكتاف جنبا
إلى جنب في هذا المكان المزدحم من المدينة ، وبغتبر هذا المكان بحق شريان المدينة
الحقيقي بل قلبها النابض .
لفت نظره لوحة كبيرة كتب عليها بخط عريض وبعدة ألوان متداخلة : " مطعم الدب " ،
وقد رسم عليها صورة دب ضخم سمين أبيض اللون ، يسير متهاديا بخيلاء وزهو يرقى إلى
حد الغرور .
أصابته دهشة وغرابة أذهلته عما حوله ، فقد زار بلدانا وجاب أفاقا ، إلا أنه أول
مرة يصادف مطعما بهذا الاسم وتساءل في نفسه : أيعقل أن يوجد مطاعم للدببة في هذه
المدينة الغريبة الأطوار، والتي يأتيها للمرة الأولى لزيارة صديقه الذي يقيم بها
منذ سنوات عدة .
التفت حول اللوحة يتفحص المكان ويتفرس فيه عله يجد الدببة وقد جلست على كراسيها
تأكل الطعام فارتد البصر خائبا حسيرا ، إذ لم يجد أمامه غير طاولا ت عادية صغيرة
متهالكة لا تتسع للدببة للتحلق حولها ! وقد اصطفت هذه الطاولات وتزاحمت في الساحة
الواسعة المفتوحة والمكشوفة أمام المطعم ، وغصت بالبشر يجلسون فوق كراسيها الخشبية
القديمة الكالحة من كثرة الإستخدام وتوالي الأيام وتعاقب الزبائن التي جلست عليها
، فحتت منها أو أكلت الكراسي من ثيابهم أو بعض ما التصق بها ، والنادلون يتحركون
بدأب ونشاط كخلية نحل نشطة لإيصال الطلبات إلى الزبائن .
أطلق ناظريه تجوسان في الموقع وتتفحصان أرجاء المطعم وما حوله عله يجد أحدا يسحب
دبا من الباب الخلفي ، أو يدخل برفقته للبهو الداخلي ، إلا أنه لم يجد شيئا من هذا
.
صحا
من شروده على إثر دفعة قوية من رجل مرّ بجانبه مستعجلا كاد أن يسقطه أرضا بعد أن
طوح به بعيدا ، فانتبه إليه صديقه ومرافقه وهو يراه يندحر هاويا للخلف من شدة
الدفعة ، فأسرع نحوه يمسك بيده ضاحكا وهو يقول :
-
حمدا لله على سلامتك .
-
شكرا لاهتمامك .
-
قال مداعبا : لعلك قد سرحت قليلا وسرق نظرك تلك السائحة الشابة الجميلة ؟
-
أجابه مبتسما : لعل ذاك هو الذي أسكرك ونسيتني بجانبك حتى صدمني ذلك الأعرابي
..... الأرعن .
-
لعلني .... قالها وهو يضحك بمرح مقبلا نحو صديقة ليروح عنه قليلا وينسيه أثر تلك
الدفعة الهمجية التي عكرت مزاج صاحبه ثم أضاف ، ولكن أنت في أي عالم كنت ؟
-
أجابة بفكاهة وهو يشير إلى اللوحة بيده ... كنت هناك ..... مع الدب ! .
-
قهقه : وهو يشير بيده جهة المطعم قائلا : الدب ؟ .
-
نعم ، إن الذي سرق بصري هو بحثي عنه هناك .
-
قهقه بصوت أعلى قائلا بسخرية يسأله : ولم تجده ؟
-
ليس بعد .
-
ألاترى الدببة أمامك ؟
-
أرى بشرا ... لا أرى دببة .
-
نعم هناك بشر ولكن بينهم كثير من الدببة ! .
-
وهل ترى أنت تلك الدببة ؟
-
بالطبع .
-
وأين هي ؟
-
هناك ... الأبيض ، وذاك .... الأسود ، وذلك .... الرمادي الذي يجلس بعيدا ....
والأحمر .. والأصفر ... وال .. !.
-
لا تمزح معي يا رجل !
-
التفت إلى صاحبه ضاحكا يفسر له ذلك : الدب هنا معنى مجازي فالمقصود فيه " السمين
الضخم من البشرالذي امتلأ لحما واكتنز شحما " ، أي الذي يأكل في هذا المطعم يكبر
ويصبح سمينا كالدب ، كناية عن لذة الطعام ... وكثرة مقبلاته .... ورخص أسعاره !
-
انفلتت منه ضحكة طويلة مقهقها بسعادة أخرجته من حالته السابقة ، ثم أضاف يسأل
صاحبه ودليله : وهل كل هؤلاء يأملون أن يصبحوا دببة ؟ !
-
أو يحافظوا على واقعهم من عالم الدببة ! .
-
أحلام طموحة يحسدون عليها .
-
قال وهو يشير نحو الحشود المزدحمة والغائصة بين الرز والمرق الدسم وقطع اللحم
الشهية : هل يراودك هذا الحلم الطموح ؟ ... ثم استأنف : إذا راودك فإن دعوتك على
حسابي .
-
أنا رجل واقعي ومتواضع وكذلك أحلامي .
-
قال ساخرا : لا تكابر .... ! إنه المطعم الوحيد في المدينة بهذا الاسم ، بل ربما
كان المطعم الوحيد في العالم الذي يحمل هذا الاسم ، إنها فرصة تاريخية لزائر مثلك
لا أنصحك بتفويتها ، فاقتنص هذا الفرصة واغتنمها ، وإلا فقد تندم ! .
-
إن ندمت وقررت أن نكون دببة معا في هذا العراء ، فستكون الدعوة على حسابي في طريق
العودة ! .
-
ضحكا معا وانطلقا ممسكين بيدي بعضهما بقوة ، وهما يشقا طريقهما للأمام ويخترقا
الحشود ليستطلع قاع المدينة ومعالمها القديمة ، بر فقة صاحبه ودليله السياحي في
تلك الأحياء الشعبية ، فابتلعهم السوق واختفيا معا في شدة الزحام ، بين الكتل
البشرية المتلاحمة والأمواج المتلاطمة.
