نهار عادي ، هكذا بدا ، المدينة : سيارات ، مارة ، شمس طفلة ، تركض نحو شباب
عنيف ، بيوت تنهض ، تجار يفتحون محلاتهم ، وانا ، ذاهب الى المقهى ، بيدي حقيبة كتب واوراق
، ولا شيئ غير عادي ابدا، بالعكس تماما ، فقد بدا هذا اليوم عاديا اكثر من اللزوم
وهذا ما اخافني ، انا اخاف السكون الزائد عن الحاجة احس دائما ان ثمة ضجة ما تكمن
بخبث خلف كل صمت ، لا دهشات في وجوه الناس ، لا تحفز لشيء ، لا قلق ، لا فرح لا
ملامح ، جلست ، المقهى صغير ، هنا سانتظر طالبة جامعية لا اعرفها ، هاتفتني مساء
امس لتتعرف مصادر الكوابيس ، وسر النهايات المسدودة في قصصي ، وضع النادل فنجاة
قهوة امامي ، اخرجت كتابا ، بدات اقرأ وبين فقرة واخرى ، كنت ارتشف من فنجاني ، في
لحظة ما انتبهت الى وجود ثلاثة شبان بجانبي ، لكني لم اعرهم اهتماما ، لم ابذل جهدا
جسميا او ذهنيا لاراهم ، الكتاب مثير جدا ، من النوع الذي يهز اليقين ، كنت دائما
اقول : ان قذيفة مدفعية تعجز عن انتشالي من كتاب يمتلك قابلية تغييري ، لكن ذلك كان
محض شعار من شعاراتي الكاذبة ، التي ارفعها ، حماية لهيبتي ومكانتي ، انفجرت بجانبي
ضحكة ضخمة ، صدرت من احد الشبان الثلاثة ، ضحكة مقززة من النوع الذي يقودك فورا دون
ان تدري الى الاعتذار للمزهرية المجاورة ، او اللوحة المقابلة ، نيابة عن فظاظة
البشرية ، التي تنتمي اليها انت رفعت راسي عن الكتاب ، نظرت الى الشارع ، المارة
يتزايدون ، يموجون ، زعيق السيارات يتعالى ، الشمس كبرت ، صارت مراهقة الان ، سقطت
في الكتاب من جديد ، عاذرا للشاب ضحكته المعادية ، التي قد يكون اجبر عليها ، فهناك
اشياء كثيرة تضحك الى درجة الوحشية في هذا الوطن ، ثم انني ادعو دائما في كتاباتي
ومواقفي الى حرية الصراخ و الجنون و الضحك والكتابة والجنس والحب والسفر ، فلماذا
اناقض نفسي ؟ غارقا في نهر الصور و الكلمات كنت حين انفجرت ضحكة اخرى من شاب اخر ،
على طاولة قريبة ، تنهدت ، نظرت الى الشبان الثلاثة ، كانوا يضحكون بشكل متواصل ،
ضحك غريب ، خليط هو من بكاء ، استهتار ، توحش ، الم ، اجسامهم تتمايل على بعضها ،
دموعهم تسيل ، ضحكات ، ضحكات ، ضحكات ، المقهى كله يضحك الان ، النادل نفسه يضحك مع
احد الزبائن ، ورجل عجوز يضحك بلا اسنان مع رجل اخر ، نهضت ، تحركت باتجاه النادل ،
وضعت امام الطاولة ثلاثة شواكل ، لم ينتبه النادل ، خرجت ، اخيرا خرجت من مقهى
الضحك قلت لنفسي : هذه مدينة مجنونة حقا ،مشيت باتجاه ، لم احدده ، لم افكر الى اين
سأذهب ، حتما ستتصل الطالبة ، ان لم تجدني في المقهى ، مشيت ، مشيت ، جلست على رصيف
شارع متنزه البردوني ، اخرجت نفس الكتاب تركت نفسي اسقط فيه من جديد ، غبت عن الوعي
فترة قصيرة ، انفجارات اخرى ، نظرت حولي ، كانت امرأة بدينة تضحك مع صديقتها بشراهة
كأنها تقضم جدارا او تبلع مفرقا ، بعد برهة ، شاركتها صديقتها الضحك ، فاهتز الرصيف
تحتي ، وتطاير ورق كتابي ، الغريب ان احدا من المارة وزبائن المتنزه لم يستهجن هذه
الضحكات القاسية سواي ، هربت بعيدا ، مشيت على رصيف شارع مكتبة رام الله ، مرت عني
سيارة تمشي ببطء ، بداخلها رجل وزوجته واطفاله الثلاثة ، كانوا كلهم يضحكون بصوت
عال ، لدرجة ان السيارة اصطدمت بشجرة ، لكن ركابها لم يتوقفوا عن الضحك ، نزلوا الى
الشارع ، تعالت ضحكاتهم ، ركضت هاربا ، نحو شارع المقبرة ، هناك مشيت بهدوء ،
فالاموات لا يضحكون ، فتحت الكتاب ،و غطست ، لكن ضحكا مفاجئا ، مخنوقا ، قادما من
داخل المقبرة ايقظ ذهني ، وجمد عقلي ، لم استطع التفكير ، اعتقدت اني احلم ، لكني
كنت على يقين كامل اني لم اكن كذلك تحاملت على قدمي المنهارتين نحو شارع فرعي ،
سقطت فوق راسي كحجارة كبيرة عشوائية الشكل ، ضحكات صاخبة لرجال خشنين جدا ، يجلسون
في شرفة بيت ، حاولت ان اركض ، خانتني رجلاي ، سقطت على وجهي ، زحفت على بطني ،
تاركا الحقيبة والكتاب ، الى اين امضي يا الهي ،؟؟ طوحت بجسدي وخوفي في شارع فندق
روكي شارع هاديء ، انيق ،، كانت الشمس عمودية وقاتلة ، ولا احد في الشارع ، شعرت
براحة كبيرة ، فلا بشر هنا ، مر امامي قطيع كلاب ، فاطمأن قلبي ، هذا يعني ان لا
تهديد هنا ، لكن طمأنينة قلبي تمزقت ، امام ناظري وانا اسمع ضحكات الكلاب الادمية ،
يا الله ، اغثني ، حتى الكلاب ؟؟؟ وجدت نفسي اصعد التلال المطلة على معتقل عوفر ،
لاهثا ، متصببا عرقا ورعبا ، لماذا يضحكون ؟ مالذي يدفعهم لهذا الضحك الهستيري
المزعج ؟؟ ، اه لو استطيع ان اشاركهم هذا الضحك ، انا احب الضحك ولكن ليس دائما ،
وضحكي معقولة ضجته وهو خفيض وراقي ، هل هناك ضحك راقي ؟؟، احس ان الضحك العنيف هو
الية دفاع غير واعية ضد عنف متوقع ، او خوف دائم من خطر ما ، يحسه الضاحك قادما لا
محالة ، ولكن هل يعني هذا انني لا اعاني خوفا ما من خطر قادم؟ وانني خارج قانون
النفس البشرية ، وخارج تأثير اوضاع البلد ،
لا
ادري ، انا ادري فقط اني لا ارغب في الضحك مثلهم ، وتخيفني طريقتهم فيه ، سأبقى
جالسا هنا في هذا الكهف القريب من قرية رفات ، سأنتظر الظلام ، لازحف ، متسللا الى
بيتي ، مغلقا خلفي الباب ، ومقفلا اذني بقطن ثقيل ، كم هو طويل هذا اليوم !! وكم
انت مراوغة ايتها الشمس العجوز !! ، على كتف موجة الظلمة الاولى اتكأت خارجا من
كهفي ، مشوش الافكار ، غير قادر على فهم ما جرى ، المدينة شبه صامتة الان ،
السيارات قليلة ، المارة قليلون ، هادئون ، رائع هو هذا المساء ، استعدت جزءا من
ثباتي ، مشيت بخطوات قوية ، انا ذاهب الى غرفتي الان ، غرفة صغيرة ، تقع على طرف
المدينة ، غدا سأبحث عن حقيبتي وكتابي ، التقيت صديقي في الطريق ، كان يقف على
الرصيف منشغلا بحديث مع حببيته بهاتفه المحمول ، لم اتحدث معه ، وقفت بجانبه صامتا
، فقد عقدت معه صفقة عدم ازعاج مشتركة اثناء اتصال احدنا بحببتيه ، على الاخر ان
يتحمل ، ويصبر صامتا اتأمل المدينة الذاهبة ببطء الى استرخائها الليلي فجأة انفجر
صديقي بضحكات مروعة ، تشبه استغاثة ساخرة ، رأيت الدموع تسقط من عيون صديقي ، حتى
انت يا صديقي ؟ ابتعدت عنه ، مشيت ، سمعت خلفي شخصا يقول : بالتاكيد اتصلت االطالبة
على هاتفك االمحمول ، هو في الحقيبة الان يرن ، او لعله يضحك ، ها ها ها ها ها ها ،
هاتف محمول يضحك ، بدل ان يرن ، يا لها من فكرة مضحكة ! هاهاها هاهاهاهاهاها ، بدأ
الشخص يضحك بشكل هستيري ، لم يتوقف هاتف يضحك هاهاهاها ، تجمع الناس حولي ، كانوا
يضحكون ، الكل يضحك ، بصوت عال ومخيف ، المدينة تمتليء بالضحكات ، الضحكات تسيل على
الشوارع وتفيض على المفارق و المنحدرات ، خرج الناس من بيوتهم ، ضحكات ضحكات ضحكات
، هاتف محمول يضحك هاهاهاهاهاهاها ، هاهاهاهاهاها ، رايت نفسي اهرب مرة اخرى ،
الشارع المؤدي الى غرفتي ممتليء بالضحكات ، اتجهت الى شارع اخر ، مشيت ، الضحكات
تتدفق خلفي : هاتف محمول يضحك ، هاهاهاهاهاهاهاها ، اتكأت على جدار مبنى ، كنت الهث
، قلت لنفسي : لماذا لا اضحك مثلهم ؟
فعلا الفكرة مضحكة ، هاتف محمول يضحك ، هاهاهاهاهاها ، بدأت اضحك بصوت عال ، سكتت
ضحكات المدينة ، سكتت تماما ، وجدت نفسي اضحك وحدي ، المدينة ساكتة ، ساكتة . ساكتة
، انا اضحك ، اضحك اضحك ، اضحك ..
