انتصار عباس - ها أنذا؛ جسد يتحرك. لا شيء يسكنني سوى خواء أشيب، قُدّر لأحزانه أن تسقط حباتها على زجاج القلب فتحطمه. أشاغلني تارة بالحب، وأخرى بالمرض، وأحيانا بالبحث عما هو غريب، وها أنذا أدور في الأسواق أبحث عن خاتم يشبه خاتم أبي، أقف عند الواجهة الأمامية لكل محل، حيث تقبع الخواتم، تنادي الأصابع، تستوقف بعضا من المارة، خصوصا النسوة، لكن الغالبية لا تكترث لها.
أتابع بحثي، أتنقل بين هذا وذاك. خاتم نسائي يقف في إحدى الواجهات المعروضة، تخيلت أصابعها، إلا أن انشغالي بالبحث حملني على السير والمتابعة، تأففت وأنا أقف أمام واجهة أحد المحلات. ابتسم صاحب المحل ابتسامة شحيحة قائلا:
- أظنك تبحث عن خاتم يشبه هذا!
تناولته بلهفة: كيف عرفت؟
- مثل هذه الخواتم لا أعرضها في الواجهة الأمامية.. يحبها ذوو الذوق الرفيع.. مثلك.
ابتسم لرؤية الخاتم الذي طال بحثي عنه، وليس لحديثه، فأنا أعرف أنه بائع، وفي النهاية يجامل الجميع...
اشتريت خاتما يشبه الخاتم الذي كان لأبي، أعطاني إياه وهو مريض..
- جاء الوقت ليكون لك..
وضعته في جيبي.. لكن أبي أصر علي أن ألبسه.. كنت حزينا آنذاك لوضعه الصحي، فلم أهتم، ونسيت أن ألبس الخاتم.. ثم فقدته ولا أدري كيف.
أنظر إلى الخاتم وهو يختال في إصبعي.. أتذكر أبي وهو يتحدث عن السوق.. وهو يتناول الطبق عن الطاولة.. يأخذ عيوني وببراءة الاطفال أرجوه: «أبي.. ألبستني خاتمك».
يضحك: «غداً تكبر، وتصبح تاجراً مرموقاً، فتلبسه»، ثم تتغير ملامحه لتصبح أكثر صرامة: «هذا للرجال..!».
عدت للخاتم القابع في الزاوية.. تباً.. إنه يناديني!
فكرت قليلا. لِمَ لا أشتريه لها، فطوال معرفتي بها لم أرَها تلبس خاتماً.. هل من المعقول أن يكون هناك امرأة بلا خواتم؟! خاتم واحد على الأقل؟!
تخيلته يختال في إصبعها.. طربت للحالة واشتريته لها.. لم أصبر للصباح، هاتفتها، وجلست أنتظرها في مقهانا المعتاد.
جاءت مضطربة قلقة، على غير عادتها، لم تعهدني أهاتفها في مثل هذا الوقت.. دعوتها لفنجان قهوة وقدمته لها.. وباستغراب غير معهود أيضا تساءلت: «هذا لي؟!».
- ألا يعجبك؟
- كم أنت رقيق وذواق، ولكن ما من مناسبة لتقديم الهدايا الآن..
- بلا مناسبة (أشرت للخاتم الذي في إصبعي).. كنت أبحث عن هذا، فراقَ لي أن أشتري خاتما لك أنت أيضا..
- يا للروعة ! أنت صديق رائع.. إلى جانب أنك رجل ذواق..
قلّبته برقّة مبالَغٍ فيها ثم دسته في حقيبتها، ونظرت حولها بتململ.. وبابتسامة رقيقة دافئة قالت:
- آه، تأخرت، أرجو المعذرة.. فأنت تعرف..
أقاطعها: أعلم.. أعلم (بادلتها ابتسامة متعاطفة معها رغم معرفتي أنها تكذب).
لم أكن لأجد أي حرج في أن أجلب لها هدية.. فنحن صديقان.. ألا يتبادل الأصدقاء الهدايا؟! أف.. لكن أيتها النسوة.. أف..
مر أسبوع.. أسبوعان، ولم أرها تلبسه.. ولا أدري لِمَ كنت متلهفاً لأراه في إصبعها.. وهي تتحدث، تشير بإصبعها، فيلتمع... يعض على إصبعها إذا ما عانق الورق، فتلثمه.. يغص في حلقي السؤال، والأيام تمر يوما بعد يوم: لماذا لم تلبسه؟
أفكار كثيرة بدأت تشغلني.. تراها ظنت أني سأقيدها بهذا الخاتم؟
هل ظنته تعويذة تربطني بها؟!
في نهاية الأمر نحن أصدقاء لا أكثر! أتساءل: ما الذي يدفعها لتتركه وحيدا في الخزانة يعوي؟!
يا لتلك المرأة.. يا لتلك المرأة!
ألهذا الحد نحن قادرون على التخفي خلف أجسادنا، فنبدو بصور تشبهنا، وقد نكون الضدين في آن واحد...
لو كنت أدري ما الذي يدور في رأسها؟!
لو أنها ترده لاستبدلته بخاتم آخر لي.. يؤنس أصابع أبي التي في يدي..
يا لها من امرأة! يا لها من امرأة!
أشياء كثيرة نشتهيها، وندفع مقابلها عمرنا، وهذا مجرد خاتم.. مجرد خاتم..
***
يجلسان في المقهى، يتحدثان، ترفع أصابعها ضاحكة (كعادتها)، وكأن شيئا لم يكن.. ولا يجرؤ على سؤالها..
في ضحكاتها يستتر السؤال: ما الذي دعاه ليجلب لي هدية.. الخاتم تحديداً؟؟
تعود إلى بيتها، تطيح بالملابس، والأساور، والحذاء ودبابيس شعرها على الأرض.. تتحرر من كل شيء...
يرتمي الجسد الحافي على الأرض.. تطارده المرايا.. تهرب بعينيها بعيدا.. يرن الهاتف..
تنهض بتثاقل: ألو..
هو: مرحبا..
هي: .. (تتثاءب...).
هو: نائمة..؟!
هي: متعبة.. نوعا ما..
هو: تحتاجين لطبيب؟!
هي: (تقاطعه) مجرد إرهاق بسيط.. أحتاج فقط لأنام... (تتابع بنعس).. أراك في الغد..
تسمع وشوشة المرايا: ما الذي دعاه ليجلب لها هذا الخاتم؟!
تضع السماعة.. وتدخل غرفتها.. تفتح الخزانة...
تتأمل علبة خبأتها في أحد الأدراج.. تقف طويلا ثم تخرجها.. وتجلس في الصالة..
تمد يدها حيث الخواتم النائمة وتبدأ: عماد.. قاسم.. علي.. أحمد.. عدنان.. عمر.. خلدون..
تُخرج الخاتم الأخير..
- مازن.. بهذا تكتمل المئة.
تنتشر الخواتم على الأرض.. تفقس خواتم جديدة... مئة.. مئتين.. ثلاثاً.. تنظرها بدهشة: يا ويلي!
تدخل غرفة نومها.. تغلق الباب.. تأخذ نفسا عميقا..
الخواتم طاعون ينتشر في الغرفة.. تلتف حولها...
يسكت الشارع.. الناس.. وتبقى الخواتم، وذاك العويل..
المراجع
alrai.com
التصانيف
أدب مجتمع الآداب قصة