نهض من فراشه مبكراً مختزلاً أحلامه وكوابيسه. كانت ليلة يشوبها القلق الذي لم يعرف مصدره، ربما بسبب تحذيرات الراصد الجوي وتنبؤاته بمنخفض جوي عميق مصحوب بأمطار غزيرة يقترب من المنطقة قادماً من قبرص.

أزاح ستائر الغرفة قليلاً...نظر عبر النافذة، كانت الأمطار تنهمر بغزارة وبلا توقف وحبات البرد تضرب أديم الأرض بعنف. البنايات تختفي خلف الضباب الكثيف والمدينة تتلاشى ملامحها. كان يحب الشتاء ويتأمل العناق بين الثرى المتعطش والخير القادم سيما وأن أمطار الشهر الفائت قد أثمرت بساطاً عشبياً ما زال مرتعاً للخراف تقتات عليه في السفح المقابلة بالإضافة إلى أن السدود قد زادت مستويات التخزين فيها. نظر ثانية عبر النافذة ولم تظهر أمامه أية مؤشرات على قرب انحسار الموجة. الطريق إلى المطار في هذه الظروف محفوف بالمخاطر والمفاجآت، فالشوارع في سباق خاسر مع تصريف المياه الغزيرة. يتوكل على الله ويحمل شنطة السفر وينطلق في سيارة ابنه الذي أصر على توصيله للمطار . يواصل رحلته للمطار بحذر و ترقب وسرعة معتدلة فأمامه حوالي ساعتين للوصول والانتهاء من إجراءات السفر. في المطار كان هناك حشد من المسافرين إلى وجهات مختلفة.

دلف عبر بوابة الدخول للطائرة، لم يكن هناك خرطوم يوصل للطائرة فأخذته الحافلة مع بقية المسافرين إلى حيث تربض طائرة البوينغ ...أسرع بالصعود لسلم الطائرة إلا أنه لم يتفادى البلل فالمطر ما زال ينهمر بوتيرة قوية و لم يكن أحد من الركاب يحمل مظلة يمكن أن يقترب منها ! ألقى جسده المبلل على المقعد المخصص وما هي إلا دقائق حتى كانت الطائرة تتهادى على المدرج المخصص ثم تزيد سرعتها وترتفع معانقة السماء وسط الغيوم الكثيفة المثقلة. بعد خمس عشرة دقيقة يسمع أصواتاً غريبة ناجمة عن اهتزازات متتالية لبدن الطائرة...الفزع يعم المسافرين و تعزز ذلك الخوف عندما طلب المضيف من الجميع ربط الأحزمة لتفادي المطبات الجوية. ـ لعله مطب هوائي صعب_ قال صديقه المرعوب محاولاً أن يبعث في قلبه الطمأنينة ـ أجل ..أجل _ أجاب بصوت خافت لم تكن تلك الرحلة الأولى جواً وكان يعرف المطبات ويتعايش معها دون خوف بل أن بعضها كان خفيف الظل ولا تدوم إلا لدقائق معدودة. نظر إلى ميمنته فرآى الركاب متجمدين في مقاعدهم كأنهم ينتظرون قدرهم المكتوب وألسنتهم تلهج بالدعاء.

استمرت الاهتزازات الشديدة إلى حين، مرت الدقائق ببطء شديد وكأن الزمن توقفت عقاربه عن الدوران. هدأت الأمور فجأة وتنفس الناس الصعداء و حمدوا الله على انقشاع الأزمة.بعد قليل جاء المضيفون ومعهم عربات الطعام وبدأوا في توزيع الوجبات وهم في قمة السعادة لانفراج الأزمة. بدأ الجميع في تناول الطعام وما هي إلا لقيمات حتى بدأ الاهتزاز من جديد وبنفس القوة في مواجهة مطب هوائي آخر. هذه المرة شعر أن الساعة قد أزفت، نظر من النافذة، لم تكن الرؤية واضحة فالغيوم جبال متحركة، كان يحاول أن يتحسس مواقع السقوط ! أصبح الخوف رداءً يحتوي الجميع إلا مسافراً واحداً أثار غيظه وفضوله، كان يجلس على مبعدة مترين وغارقاً في قراءة رواية بالفرنسية...لم ترتعد فرائصه مما حدث ولم تظهر على وجهه أية معالم من القلق أو التوتر. توقفت الاهتزازات وتجاوزت الطائرة المطبات كافة بسلام ونزل الجميع كل يتابط حقيبته إلا صاحب العينين الزرقاوين فقد كان ممسكاً بروايته المصون.


المراجع

tellskuf.com

التصانيف

أدب   الآداب   قصة