رصاصة في الجبين
طموح وثاب يقفز بمشاعره وأحاسيسه إلى عالم آخر، آمال عريضة ترتسم أمام ناظريه
في الأفق البعيد وتعده بمستقبل زاهر، أحلام عذبة تدغدغ خياله الخصب و تفتح
أمامه ليله قدر إلى الجنة ..... مؤسسة الأمل لتجارة المباني والمقاولات العامة
.
أنت ... أيتها السكرتيرة ... دهمته خواطر شتى حين طافت هذه الكلمة في خياله وأشرقت
في صدره شمس دافئة ، زودته بشحنة دافقة من الأحلام ... ثم أطلق العنان لخياله محلقا
... ضغط على زر أمامه ... فتح الباب عن ملاك يتهادى نحوه بغنج ودلال .
بنظرة صارمة ، وتعليمات حازمة لا تقبل هذه الحركات والأساليب ، وإ لا لضاعت الثروة
و تبددت الأموال وأفلست الشركة.
" أحضري لي التقرير الشهري عن سير أعمال المؤسسة .. ما هي أخبار مناقصة مشروع
المحطة الكهروحرارية ؟ ومشروع برج الأمل للشقق الجاهزة ؟ كم مهندسا أصبح ملاكنا ؟
هل درس المهندسون إعلانات اليوم ؟ قدمي لي مقترحاتهم ، جهزي لي عطاء مناقصة الأمس
عن مستشفى الشفاء ، وعطاء ما قبل اٌلأمس عن ثانوية المجد في الحي الدبلوماسي ،
لألقي نظرة سريعة على الأسعار والمواصفات .
صحا من حلمه ، أفاق من شروده ، ضرب أصابعه على جبهته ، أفتر ثغره عن بسمة خفيفة ،
و دار برأسه يتلفت يمنى ويسرى تحوس عيناه وتتفحصان جدران غرفته العارية ، و
تتدحرجان من جدار إلى جدار فلم يصطدم بصره إلا بمكتبة قديمة ، تزاحمت فوقها كتب شتى
من جميع الأصناف والأنواع والأحجام .
ما فائدة شهادته الجامعية ؟ و ها هي السنة الخامسة التي يرفض قبوله في المسابقة
ليثبت كمدرس أصيل معتمد من الوزارة ، رغم معدل نجاحه الجيد ، وتفوقه المتواصل ، فقد
أنهى دراسته في أربع سنوات ، في حين فاز في المسابقة "ثائر" زميله السابق في
الدراسة الجامعية والذي أنهى دراسته في سبع سنوات بدلا من أربع .
قذف نحو المكتبة بنظرة شزر، ما فائدتك جميعا أيتها الكتب والمجلدات ؟... إنك ثروة
البؤساء والمحرومين ...إن عصرنا هو عصر الفلوس...."من معه أكثر يساوي أكثر" .
كلما ملكت منها أكثرفقد ملكت معها قوة السطوة والنفوذ، ومارست هوايتك في الزعامة
والسيطرة ، الناس لا تحترم العالم والمفكر والأديب أو المثـقف ، الناس تتملق صاحب
الفلوس والثروات ، وتتمسح بذيله وتجري خلفه .
انطلقت زفرة آه طويلة ممطوطة لم يتمكن من كبح جماحها ، حملها كل أسراره الدفينة
وانفعالاته الداخلية التي خشي من الإفصاح عنها بلسانه .
عزم أمره ، فحزم أمتعته إلى بلاد الثراء والنعيم ، حيث الأموال المكدسة في
الشوارع وحاويات القمامة ..... بعد أن باع بعض أثاثه ، ومن جملتها مكتبته أو ثروة
البؤساء كما سماها .
لم يكن الأمر كما سمع وتصور في مخيلته عن لم الأموال وجمعها من فوق الأرصفة ،
وغرفها من الشوارع ، وتفريغها من الحاويات ، لم يجد في الشوارع غير المتسكعين
والساقطات ، ولم يجد في الحاويات غير القمامة .
وجد الأمر لا يختلف صعوبة عن جمعها في بلاده، إضافة إلى دفع ضريبة الذل والهوان ،
فقد باع أنفته ، وأجر كرامته ، وجرد أحاسيسه ، وأودع ثقافته وشهادته في إجازة طويلة
، ووظف نفسه أن يكون نعلا ، أو حتى حمارا ليتمكن من تحقيق أحلامه ، وبناء مستقبله ،
وجمع الثروة المطلوبة لتحقيق ذلك .
عشر سنوات من الكد والجهد المتواصل ، لم يذق فيها طعم الراحة ، ولم يدخل جوفه لقمة
هنيئة ، ولا شربة مريئة ، اقتات فيها على آمال الغد طموحا لإنجاز أحلامه ، وولوجه
إلى دنيا السعادة والثراء .
تجرع غصص الغربة ، وأبتلع كبسولات الذل ، تجمدت خلالها عواطفه ، وتحجرت مشاعره
وأحاسيسه ، وكل ذلك كان عزاء لتحقيق أحلامه ، وبناء مؤسسته المنشودة .
لم يسافر إلى بلده مرة واحدة ، وصلته الرسائل تلو الرسائل تشرح له أوضاع أهله ،
وعائلته ، أو تنبئه عن مرض والده ... ثم وفاته وبعدها والدته...ثم أقاربه واحدا بعد
الآخر، كان آلة صماء تدور بدون كلل ولا ملل ، يعمل عشرين ساعة في اليوم ، ويرتاح
ساعاته القليلة في زاوية من زوايا المصنع الذي يعمل به ، فوق المعدات والآلات ، أو
في غرفة مهجورة ، استخدمت مخزنا لبعض قطع الغيار....أو حارسا على باب مشغل أو بقالة...أو
محطة وقود ، لم يستأجر ولو غرفة يتيمة ليتمدد فيها وينال بعض الراحة من عناء العمل
، أو حتى يشارك زميلا له في غرفة ليرتاح فيها من ضجيج الآلات ، وروائح الزيوت
والدخان .
الدولارات القليلة التي كان يرسلها إلى زوجته وأولاده من يوم وصوله ، تقلصت رغم
رسائلهم المتعددة المتلاحقة ، التي تطالب بزيادة المصروف ، فلقد كبر الأولاد
وارتفعت الأسعار ، وازدادت متطلبات الحياة... ومصاريف المدارس أصبحت مرهقة .
لقد أعتبر رسائلهم نوعا من الابتزاز والتبذير، ضيق على نفسه ، وغلّ يده إلى عنقه ،
وضنّ على أولاده ، حتى يوم أخبروه في رسائلهم بأن ابنه البكر تيسير سوف يترك
المدرسة ليعمل في ورشة إصلاح سيارات ليتسنى له مساعدة إخوته في مصاريف الدراسة ،
ضحك في نفسه لذلك الخبر وأعتبره نوعا من أنواع الاحتيال والابتزاز ليرفع لهم
المصروف .
أزفت ساعة الرحيل بعد رحلة مضنية ومشوار طويل من الكد والشقاء ، فلقد حسب كل
حساباته ، جمع وطرح وضرب وقسم ،... ثلاثمائة ألف دولار تكفي لإنشاء الشركة... وقد
آن الأوان لاسترداد كرامته ، وأنفته المرهونة ، ويعود إلى آدميته المفقودة ، ويمارس
هواية الزعامة ، وغريزة التسلط ، وملكة السيطرة ، وتوزيع الأوامر والانتقام من
المجتمع الظالم عن كل ما عاناه في سنوات الغربة ، لقد عانيتم يا أولادي الكثير وقد
حان الوقت لأرد لكم ذلك الدين ، ستصبحون جميعكم مد راء ومسؤولين في الشركة ، سوف
تتدفق الأموال حولكم من كل جهة وتنصب فوقكم كشلال غزير.. سوف تصبح الأموال بين
أيديكم اللعبة المفضلة... أما الدراسة فدعكم منها والتفكير بها...إنها طريق الفقر
الطويل ، ودرب الشقاء اللاحب ... ماذا جنى أبوكم منها غير الفقر والتعاسة ، أما أنت
يا زوجتي الحبيبة فغدا سوف تباهين سيدات الحي عندنا بالحلي والمجوهرات النادرة ،
وتصبحين مضرب مثل ، وستكونين من سيدات المجتمع العصري .
وأنت يا أسماء لقد دفعت أيضا مع أبيك ضريبة الذل ، وتزوجت من موظف فقير وحقير، لا
عليك سوف أجعل منه مديرا إن كان يستحقك وترضينه ، وإلا طلقتك منه ، وزوجتك من سيد
سيده ، وعينتك مديرة في شركتي .
أبتاع تذكرة السفر، وحجزرحلته بعد أن جهز الهدايا لجميع أولاده وزوجته ، وكل من
تذكره برسالة من قرابته وأصحابه بعد تلك الغربة الطويلة .
أغمض عينيه على أحلام لذيذة ، والدولارات داخل حقيبته يضمها بعضديه ، كما تضم الأم
وحيدا لها بعد عنوسة طويلة .
نسي أن الأحلام ممنوعة ، وأنها مهددة في كل لحظة بالاغتيال ، فشريعة الغاب سائدة
وهي الأصل ، وقتل الإنسان لا يعدل أكثر من دعس حشرة حقيرة بحذاء وسخ .... رغم كل ما
تمتلكه من أسباب الحضارة ، ومؤهلات الرقي والمدنية وتقدم العلم .
صحا على جلبة وضرب على الباب ... كسر الباب ... اندفع ثلة من الشبان بهيئة غريبة ،
ملابس ممزقة ، وشعور طويلة فوضوية ، وبأيديهم أسلحة نارية ، والشرر يتطاير من
أعينهم .
ارتعد لهول المفاجأة ، احتضن الحقيبة بيديه وضمها بعنف إلى صدره ، ثم تراجع ليسند
ظهره إلى زاوية الجدار، قرع في أذنه صوت اللصوص : إختر بين...حياتك أو الحقيبة
؟........روحك أو الدولارات ...؟ وهل بقي له من هذه الحياة شيء.... إن ذهبت الأموال
فإن حياته ستتحول إلى شقاء دائم ، ونكد مستمر، وتنغيص لا ينقطع إلا بانقطاع جذوره
عن هذه الحياة .
فكر في المقاومة ، لكنه وجد الأمر ضربا من الخيال وسينما أبطال الخوارق.. إنه
الجنون بعينه ، أفلت يديه ، تهاوت الحقيبة من بين يديه وسقطت على الأرض ، انفتحت
وانتثرت محتوياتها من الدولارات تفرش الأرض من حوله ، امتدت يده بلا شعور لتجمع
بعض الأوراق ، فتلقى رفسة على ظهره طوحت به بعيدا، وكبته على وجهه ، جمع اللصوص
الدولارات وأعادوها إلى الحقيبة ، حملها أحدهم وانطلق في المقدمة ، وتبعه الثاني ،
وهم الثالث بالخروج خلف صديقيه ، انتصبت في ذهنه ألف صورة وصورة ، ومر شريط عشر
سنوات من الكد والشقاء أمام عينيه كلمح البصر.
ارتسمت في مخيلته كل صور الذل و الإهانة ، صور الشقاء والتعاسة ، صورة الآلة الصماء
والضجيج ، صورة الدخان وأبخرة الزيوت المحترقة ، صورة الأهل والأولاد وما طبع في
تلافيف دماغه من خلال رسائلهم المستمرة وشكاويهم ومعاناتهم ، كلها حشرت في تفـكيره
دفعة واحدة .
توفزت أعصابه وتحولت إلى كتلة من الحقد ، تطاير الشرر من عينيه... كيف يتبخر حصاد
وشقاء عشر سنوات بلحظة واحدة...استجمع كل قواه قفز، على اللص الثالث كلبؤة جريحة ،
قتل ولدها في حجرها ، سقط اللص على الأرض وارتطم رأسه بالبلاط ، فأصدر صوتا عاليا
امتزج مع صرخة استغاثة لاشعورية.
بريق أمل يلوح له... ها هو المسدس قريبا منه ، قفزة سريعة ويصبح في يده فيردي
اللصين الآخرين برصاصتين ثم يتم على الأخير برصاصة ثالثة في جبينه ، قفزة سريعة ،
لقد أصبح المسدس في يده كما خطط وتصور...
رفع المسدس إلى الأعلى نحو صدر اللص ، أحكم التسديد وقبل أن يعصر على الزناد ،
رصاصة محكمة التسديد تقيأت من مسدس أحد اللصين واستقرت فوق العينين وسط الجبين .
تبعتها رصاصة ثانية وثالثة و....عاشرة ، تناثرت على كامل جسده وهو ينتفض كقربان ،
وشلالات من الدم القاني تنفر من كافة أنحاء جسده ، تخضب البلاط بسائل لزج ساخن أحمر
قان .
