وتحدثت الراوية فقالت :
قالوا : ( أسطول الحرية ) وتطاولت الأعناق ، اشرأبت إلى غدٍ ، تنتصب فيه الجوهرة (
القدس ) حرة ، ترعاها قلوب توضأت للتو ، وأيقنت أن (بيبرس) لا يقدم جزافاً ، فهو لا
تغريه الأكف المنافقة ! ولا تقعده الدمعة المقهورة، وهو بالعضد يبتغي كشف سر
الأفواه المتلعثمة بالكلمات ، تلك المتخفية خلف الحروف الخادعة، الباحثة عن عذر
أعمى .
وحين وضع ( جودت ) سليل عثمان قدمه اليمنى فوق سطح مرمرة كانت في وداعه جمهرة من
نوارس عتيقة ، وحين راحت السفينة تعب الموج ، فتغيبه في بطنها العملاق ، حدق في
ساعته بعد أن اطمأن إلى المسير وقال : باسم الله .. بعد ساعات معدودة .. نكون هناك
إن شاء الله ، والتفت إليَّ ، وقد وافته ذكريات شريان الحياة ، ثم قال : " وضربت
عليهم الذلة والمسكنة " .
_
قلت : ماذا ؟ ومن تقصد بهؤلاء ؟
_
إنهم يهود .. يهود .. ألا تدركين ؟
_
بلى ، إني مدركة ، ولكنهم اليوم عالون ..!
_
إنها رميات غدرٍ يا عزيزتي وحسب! قتل ، اغتصاب أرض، حصار، تجويع، عالم غادر العدل.
_
وبدت عينا جودت ساهمة ، تدقق في تلك الموجات المرتدة ، التي يُطلقها إبحار السفينة
. كان النهار ذلك اليوم هادئاً ، وكان كل شيء على السفينة يبعث بالأمل .. فكل
الناشطين متفائلين ، تحدوهم رغائب الوصول إلى الهدف ومشاركة مرابطي غزة رباطهم ،
فكنت ترى تجمعات منهم تلهج بالحداء ، وتجمعات تقرأ عن غزة ، وتجمعات تغني حيناً
بلغاتها المختلفة ، فيعلو الضحك ، وتغروورق العيون بالدموع ، شوقاً للّقاء المنتظر
، في حين كان ( جودت ) إلى جانبي يستدرج سمعي بكلمات يتمتم بها بصوت خافت ، وقد
استدركت منها سؤاله الذي وجهه لي دون مبالاة:
_
هل لاحظتِ ذلك الضباب الداكن ؟
_
اي ضباب تعني ؟ إني لا أرى إلا نهاراً ساطعاً .
_
انظري .. انظري .. ها هي غزة تظهر من بين سحب الضباب شاحبة ..! دققي في تلك الموجات
المرتدة عن جدار السفينة، فسوف تشاهدين خلالها غزة ، ورغم أن الضباب يلف وجهها
الصبوح ، فهي تبدو صامدة صمود الأرض في وجه الإعصار، إنها ترد كيد الغدر ، بغدائر
شعرها وصدور شبابها ، الذين زينوا وجوههم بلحى تقطر من وضوء ، وبعيون تغازل الغد
بالعزم الذي تَنْظُمُه بساتين البرتقال والليمون واللوز والزيتون ، وبآمال تنير
ظلمة المساء ، حيث تموت مصابيح السكك من جوع تصنعه أحقاد الغدر ، ويدبج مسوغاته من
استمعوا لمهزلة ( الروك آند رول الجهادي ) في مكتبة الإسكندرية ، وتابعت الراوية
زوج ( جودت ) القول : ولحقت بحدقتي تلك الموجات ، لأرى ما يرى زوجي ، ولكن شعاع
بصري تاه في الدرب ، إذ كانت الأطياف الخائفة تحملني على موجات هدوء مخاتل .
وأدركنا المساء ، وكنت أجلس على ظهر السفينة ، أرقب حركات جودت ، وهو يرتب أمر
الصحفيين ، فقد وكل إليه إمرتهم ، فهو منهم ، ومن الذين جربوا الإبحار على ظهر
قافلة شريان الحياة.. كانت خصلات شعره الأسود تراود جبهته البيضاء العالية ، امتزج
بياضها بحمرة الشفق ، الذي راح يتوسل لكل شيء فوق السفينة: أن يخلد للتأمل .. وبدأت
سحب الظلام تلف بسدلها المعالم . وفي لحظات التأمل تلك ، صافحت أذناي رنة شعر ، كان
يلقيه أحد الحادين العرب ، فتخيلت أنه موجه إلى جودت :
في
عينيك ألوان العطاء / للكادحين الصامدين / للبائسين /
لطفولة تشكو الظلم / لكهولة تبغي السلام / لصبية باعت زهور الحب في الليل العميق /
لشعب يحب الضياء ، يقدس حرفاً مضاءً
عندئذٍ شعرت بدمعتين حارتين غزيرتين ، تنزان على وجنتي ، فمددت يدي أمسح بها
الدمعات ، حيث داعبت وجهي نسمات بحرية عليلة اختلطت بخصلات شعاع القمر ، التي راحت
تسامر السهر ، وتقهر بعض الخوف الذي بعثته ظلمة البحر في النفوس . وفجأة شعرت بكف (
جودت ) تداعب وجنتي اليمنى وهو يقول : أيتها العزيزة بماذا تفكرين ؟
_
لا شيء .. لا شيء ، إنها كلمات شعرية طرقت أذني ، فهدهدت دمعاتي .
_
لا عليك ، ساعات قليلة ، ونكون هناك .. وأبطأ الكلام على شفتيه قليلاً .. ثم أضاف :
هناك في غزة ..!
_
ولكن الليل ألقى بجرانه ، نصفه أو زد عليه ..! ثم من أين لك تلك الثقة الغالية
بالوصول .. ألا يبتعث الخوف جنوده إلى قلبك ..؟!
_
في غزة الناس لا يعرفون الخوف ، إنهم يلصقون الصخر على البطون ولا يعجزون ، ثم هم
ينتظرون الأحلام ، تحملها صقور متوضئة بندى الفجر ، لتضعها بين أيديهم مشاريع
متحققة فوق الأرض ، التي استقبلت في الزمان كل ألوان الغزو ، فخرجت منها شامخة ،
تضيء عتمة الشام ومصر .
وتابعت الراوية تقول : وللتو ألقى ( جودت ) برأسه فوق صدري ، وقد ارتسمت على ثغره
ابتسامة رضى ممتزجة بأمل عريض ، وبينما كنت أسرح شعره الفاحم بأصابع يدي ، وقلبي
يتفجر حباً واعتزازاً بهذا الشاب الممتلئ إيماناً ، ساجداً بعينيه بين يدي رب عظيم
، محلقاً بأحلامه الصقرية فوق معالم الأرض المغصوبة ، تصورته أحد فرسان السرايا
التي كان يسيرها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، أو ملبياً في جموع حجيج : لبيك
اللهم لبيك ، ومردداً الأمل العظيم ، يتدحرج على شفتيه القرمزيتين : ( سيبلغ هذا
الدين ما بلغ الليل والنهار ) .
وفي
هذه اللحظة وافانا صوت المؤذن في الباخرة، ليهدي إلينا همسات الاطمئنان والسكينة ،
ممتزجة بهدير كلمات كان جودت يرددها وهو يقفز في الهواء بخفة : لا مخرج لكم أيها
الأوغاد .. لا حصار بعد اليوم .
وتابعت الراوية قولها : وفي هذه اللحظات ، التي ردد طمأنينتها سكون الليل ، وخفوت
الأمواج ، ودموع الفجر اللينة، وانتظام صفوف المصلين انطلقت رصاصات غادرة ، وأطلت
أغوال الليل الجبانة من خلف الجدران المصفحة، وجدران العموديات الجبانة.
وبالأجساد وبعض الخشب المتوفر رُدَّ المتوحشون بداية على أعقابهم ، وهم المحملون
بكل ثقيل من السلاح ،كالبغال تحمل ما لا تفقه مآلات استعماله ..!
ورأيت ( جودت ) ينظم وضع الصحفيين ، ليقوموا بمهماتهم ، وراح وهو المصور الصحفي
المبدع ، يوثق مشاهد البرابرة ، إلا أن رعديداً حاول الاقتحام على الصحفيين ، فتصدى
له بصدره الأعزل ، فبادره الرعديد برصاصة قريبة في رأسه ورصاصات أخر .. وارتبك
الرعديد ، فقفل راجعاً ،عندئذٍ أقبلت على زوجي ألملم جراحه ، غير أن روحه كانت تفيض
ببطء إلى بارئها فبادرته القول :
_
روحك حققت مرادها ..؟
قال
بحشرجة : غزة والقدس تستحقان الدم .. فلا تبك يا عزيزة .
_
إنني أبكي الفراق .. وليس التضحية .. فالقضية تستحق أكثر .
_
سنلتقي يا حبي في الجنة حيث لا خوف .. ولا حصار .. ولا اغتصاب .. ولا ظلم ..! هناك
العدل .
ألا
تذكرين ما عانيناه في العريش قبل شهور ؟
_
نعم أذكره .. فمن تلك المعاناة ، ومن هذه الوحشية اليوم ولد ( جودت ) من جديد .
وأغمض جودت عينيه وفارق .. ومسحت دموع الفراق وجهه المضيء ، وكانت كلمات تتدحرج
على شفتي تقول : إلى اللقاء يا جودت ..! إلى اللقاء في زمن يحبه الله ونحبه جميعاً
.. ألم تبدأ هيلين توماس ذلك الزمن ، حين قالت : فليعد كل صهيوني إلى البلد الذي
قدم منه ، وليتركوا الأرض لأصحابها ..؟
