فيما تحلَّقوا في سربهم يحمَدون الله على العافية، وقد أنْهوا يومًا آخَر في عملٍ شاقٍّ، لفظتْهم مدينتُهم إلى حيث هم، جاء الخبر كالصَّاعقة عليهم، فمن يخبر عبَّاسًا أبا محمود بأنَّ أباه قد انتقل إلى رحمة الله، وقد صحَّ الخبر وتوارد، ومَن يجرؤ على ذلك؟ وماذا سيحدث؟

قام أبو خالد وقال: أنا أخبره.

جمعهم المكان حول مائدة الغذاء، وبدؤُوا ينهبون أوعية الطَّعام الَّتي أعدُّوها؛ فقد أخذ الجوع مأخذَه منهم، وتعالت أصوات الملاعق وهي تُصيب حوافَّ الأواني في حركة الصُّعود والنُّزول، حتَّى أصبحت الأواني والصُّحون فارغة، وبدأت عبارات الحمد تُسمَع في الحلقة شاكرين المولى على نعمائه ونعمه.

قال أبو خالد: ما رأيُك يا أبا أحمد لو أنَّ مالاً أتاك فجأةً لا يقلُّ عن خمسة ملايين أو أكثر من ذلك، فماذا أنت فاعل به؟
أبو أحمد: خمسة ملايين!!

نعم، خمسة ملايين.
أبو أحمد: أبني عمارة، وأبيع شقَقَها، وأؤجر محلاتِها، وأعيش من ورائها قريرَ العين هانئ البال، أخرج كلَّ مساءٍ إلى زاوية البناء حيث شقَّتي في الشرفة المطلَّة على الشَّارع، وأستمتع بمنظر المارَّة وهم يزرعون الشَّارع جيئة وذهابًا، أطلِّق الغربة وأرتاح من عنائها وتعبها.

أبو خالد: فكرة حسنة ورأْي سديد، وأنت يا أبا عليّ، ماذا تفعل لو أنَّ مالاً كثيرًا أتاك الآن؟ هات أخبرْنا.
أدفع إلى كلِّ ولد من الأبناء بقسم يقوم بالتِّجارة فيه، وأُبْقي قسمين: قسمًا لي وقسمًا لزوجتي نتمتَّع فيه، نسافر عبر خطوط الطُّول والعرض، ونقْطع البحار ونَزور الحواضر والعواصم، نسافر إلى أوربا، نجدِّد الشَّباب الضَّائع، فلا وقت لديْنا نقضيه في التِّجارة والصِّناعة، وما أظنُّ أن يمضي عام إلاَّ وأعود إلى حلْقتكم؛ لأنِّي أكون قد بدَّدت كلَّ ما أتاني.

أبو خالد: لا بأْس بفكْرتك، وهو حقُّك ولا أحدَ يُنازعك عليه، وأنتَ يا أبا عبد الله، ماذا ستفعل؟ هات أخبرْنا.
أنا لا زلت أفتاكم، أشتري بيتًا غير بيتي، وأبني بزوجةٍ غير زوجتي، وأدفع إلى أمِّ عبد الله دينَها وبعض المال يعيشون فيه، وأقضي حياتي مع زوجتِي الشابَّة في سعادة وسرور.

قاطعه أبو علي قائلاً: أما تشتري سيَّارة خاصَّة؟
لا، لا أحبُّ السَّيَّارات.

ربَّ ملوم لا ذنب له، ثمَّ ما لها أمُّ عبد الله؟! أمّ أبنائك وهي هادئة مرتبة، وهل هذا هو حسن الجزاء؟!
أمّ عبد الله على العين والرَّأس شئت أم أبيت، ولكنِّي قرأتُ بيت شعرٍ لشاعرٍ يصِف فيه زوجتَه:
يقولون لي عندك  نعجة        ولو يعلمون عندي النَّمِر
أبو خالد: أرى كلَّ واحدٍ منكم اختار طريقَه، وكلُّ امرئٍ منكم بأمْرِه عليم، وأنت يا عبَّاس ماذا تفعل؟
أبو محمود: ومن أين تأتي الملايين؟
هب أنَّك ورثت حماك.
لو ورثتُ مالَه كلَّه ما بلغ آلافًا.
هب أنَّ أباك مات وورِثْته.
دعك من هذه القصص.

أبو خالد: الكلُّ أبدى رأيَه ولم يبق إلاَّ أنت، فهات أسمِعْنا ماذا ستفعل؟
أبو محمود: في أيِّ شيء؟

في المال الَّذي يأتيك إذا مات أبوك.
أبي ما زال شابًّا.

نقول: هب أنَّه مات، وهو إن مات ستبلغ حصَّتك ملايين.
أبو محمود: لا بدَّ من الحديث؟
أبو خالد: طبعًا.
عندها سآخذ حصَّتي وأبني دارًا على شارعين، وأستبقي محلاًّ كبيرًا، وأشتري سيَّارة خاصَّة.
أبو خالد: لك ذلك، اجمع حاجات سفرِك وتوجَّه إلى بلدك؛ فقد مات أبوك وانتقل إلى الدَّار الآخرة، أعظم الله أجْرَك وغفر لميِّتك.

الجميع: آمين.

المراجع

alukah.net

التصانيف

أدب  مجتمع   الآداب   قصة