في ليلة عاصفة، تسللت مجموعة من اللصوص، قادمين من مدن العهر، وأكواخ الرذيلة والفجور، وبيوت القوادين المنتشرة في أصقاع الدنيا، يسيل الخمر مع لعاب أفواههم، وتنبعث من أجسادهم روائح نتنة كرائحة روث الخنازير، وكانوا مدججين بالسلاح والرصاص والكراهية لمن يقف في طريقهم.

واصل اللصوص تسللهم، وهم يدوسون بأحذيتهم القذرة الأزهار، والنوار، والفراشات والبلابل، والعصافير، ويحرقون أشجار الزيتون والعنب، والبرتقال والتفاح، وأكواخ الفلاحين.

في الصباح وقف اللصوص على ربوة خضراء ونظر رئيسهم بمنظاره المكبر إلى بيت كبير جميل كان يربض على شاطئ البحر، فلاحت له في شرفته فتاة جميلة وهي تسرح شعرها الأسود الطويل وتغسله في ضوء شمس الصباح، وكانت البلابل تغرد وهي تحوم حولها منبهرة بجمالها الأخاذ وهي تبتسم لهم في دلال.

قال رئيس اللصوص بعدما متع نظره برؤية الفتاة

- يا لها من حسناء جميلة.

ثم أمر أتباعه بالهجوم على ذلك البيت.

فانطلقوا بحماس كالكلاب الجائعة مسرعين متهجين إليه، فكسروا بابه واقتحموه ودخلوه شاهرين سكاكينهم ومسدساتهم ورشاشاتهم وبنادقهم، يقتلون كل من يعترض طريقهم من أهل البيت، من الرجال والنساء والاطفال والشيوخ، ففر بعض الرجال مذعورين تاركين أطفالهم وزوجاتهم للصوص ومنهم من اختبأ تحت الأسرّة وداخل خزائن الملابس، وفي الزرائب، تحت قوائم الحمير والأبقار والأغنام، أما البعض منهم فأبى إلا أن يقاوموا بشرف، حتى سقطوا صرعى تحت نيران رصاص رشاشات وبنادق ومسدسات اللصوص.

ارتقى رئيس اللصوص سلم البيت، إلى أن وصل إلى مقصورة الفتاة، رفس بحذائه القذر الباب فكسره ودخل المقصورة، فأمسك بالفتاة، قاومت ولكنه ضربها بكعب مسدسه على رأسها فأغمي عليها، فحملها على ظهره ونزل بها إلى فناء البيت، وأدخلها إحدى الغرف وراح يمزق ثيابها فوعت وراحت تقاومه، وهو ينهش من لحمها كالذئب يريد اغتصابها وهي تصرخ وتستنجد وتستغيث بأهلها وعشيرتها، فطرب اللصوص وانتشوا بصراخها فدخلوا إلى الغرفة يعاونون رئيسهم عليها، ويتلذذون برؤية جسدها الجميل، بينما أهلها وعشيرتها ظلوا في مخابئهم يرتعدون، خوفا وهلعا، واستمروا على تلك الحال وهم صامتون خائفون، واللصوص داخل الغرفة يتضاحكون وهم ساخرون من استغاثات الفتاة بأهلها.

شعر بعض من أهلها بقليل من النخوة، فتسللوا من مخابئهم على صوت صراخها واستغاثاتها، فاقتربوا من باب الغرفة المغلقة، وهم يسيرون على رؤوس أصابع أرجلهم المرتعشة، حتى حاذوا الباب، وراحوا يسترقون السمع، فسمعوها وهي تلعن اللصوص وتبصق في وجوههم وهم يتضاحكون ساخرين منها، كما سمعوا رئيس اللصوص يقول لها وهو يضحك:

- أين أهلك وأفراد عشيرتك وقبيلتك الذين ما فتئت تستغيثين بهم؟ لماذا لم يأتوا إليك ليخلصوك منا؟

إنني أتحداهم جميعا، بلع أهل الفتاة ريقهم وارتجفوا خوفا وذعرا فهرب بعض منهم ليختبئ في المكان الذي جاؤوا منه، أما البعض الآخر فظلوا واقفين يجاهدون في طرد وحش الخوف الكاسر من قلوبهم وعقولهم، قال أبوها، وقد خنقته العبرات: أرجوكم اتركوها، إنها عذراء لا تؤذوها، وقال عمها: يكفي ما حصلتم عليه، نرجوكم أيها الإخوة أن تتركوها، قال خالها: يا جماعة ما تفعلونه عيب وألف عيب هيا اتركوها والذي حصل قد حصل.

قال أخوها وقد غلت في دمه نار الحمية والعرض والشرف:

- يا أهل.. نحن أكثر من هؤلاء اللصوص.. هيا نكسر الباب ونهجم عليهم ونقتلهم جميعا ونخلص أختي من أياديهم القذرة. قال ابن عمها: اسكت وإلا قتلونا واحدا بعد الآخر كالنعاج، قال ابن خالها: كيف نهجم عليهم هل أنت مجنون، هذا هو الانتحار بعينه إنهم يمتلكون أسلحة نحن لا نمتلكها.

 قال ابن خالتها: إنني أب لأولاد صغار أريد أن أعيش لأربيهم لا أريد أن أجعلهم يتامى من بعدي.

قال زوج أختها: لماذا لا نتفاوض معهم.

قال أبوها: وكيف؟

- نعطيهم بيتنا هذا وما يحيط به من بساتين وحدائق مقابل ان يتركوا ابنتنا.. ما رأيكم؟

قال أبيها: وأين نذهب بعد ذلك؟

- أرض الله واسعة

قال أخوها يا أهل الوقت يمضي.. وعذراؤنا على وشك أن تغتصب، هيا نفعل شيئا قبل أن يفضوا بكارتها ونكون بعد ذلك من النادمين.

قال عمها: لدي اقتراح، ما رأيكم أن نجعل بيننا وبينهم حكما يتوسط فيما بيننا وبينهم.

قال أخوها: لا وقت، هيا اكسروا الباب، إن صراخ أختي يمزق قلبي ألا يمزق صراخ ابنتكم قلوبكم انتم أيضا؟ أين حميتكم؟ أين كرامتكم وعزتكم؟ أين نخوتكم؟!

همّ بعض الرجال أن يكسروا الباب ولكن عم الفتاة أشار بيده: انتظروا، تمهلوا لا تتهوروا فالعجلة من الشيطان، يا رجال أين عقولكم وحكمتكم؟ اصبروا وترووا، هذا القرار يحتاج منا إلى تفكير عميق.. والآن دعونا نذهب إلى غرفنا وزوجاتنا وأطفالنا وننام، وفي الصباح يحلها ألف حلال، فانسحب الأهل ما عدا أخاها الذي راح يناديهم وهو يبكي.. ولكنهم لم يعبأوا لبكائه ونداءاته.. وما كان منه بعد ذلك إلا أن كسر الباب وحده ودخل إلى اللصوص ليخلص أخته من أنيابهم.. وقتل منهم ثلاثة ولكنه خر صريعا بعدما أطلق عليه رئيسهم عدة رصاصات من رشاشه.

عندما لاح فجر اليوم التالي، تسلل أهل الفتاة من نوافذ غرفهم.. وهم يحملون ما خف حملة من متاع وطعام وهربوا مخلفين وراءهم ابنتهم المغتصبة، وبيتهم وذكرياتهم.


المراجع

akhbar-alkhaleej.com

التصانيف

أدب  مجتمع   الآداب   قصة