تُخبرني إحدى المدرسات قبل يومين أنها رأت طالبة في قاعة الاختبار وهي تحرك شفتيها قبل أن تُسلّم ورقتها، وتتمتم بشيء ما، ثمّ تنفث على الصفحة، وهكذا حتى انتهت من جميع الأوراق، قرأت على كل واحدة منها ونفثت، وحين سألتها المعلمة عن هذا الفعل أجابتها أنها كانت تتلو آية من آيات القرآن نصها: «وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يُبصرون»!
فور سماعي هذا الموقف عدنا سنوات إلى الوراء، إلى رائحة الطبشور، وفُتات الممحاة وصرير القلم الرصاص، وأصدقاء الطفولة والصبا. فبعض الأشخاص يربطهم القدر بحبال البُعد، ويطويهم تحت غطاء النسيان فيحبسهم بعيداً عنا، لكي يُعيدهم لنا كهدية فاخرة في وقت قلّت فيه الأفراح وزادت الأعباء، يعيدهم وقد غيّر حبال البعد بأربطة حمراء فاخرة، وبدّل غطاء النسيان بأغلفة برّاقة ملوّنة بقوس قزح العودة.
فالقدر يعلم أن المرء في لحظات معينة من عمره، سيحتاج لمن يعيد له بعض مشاهد الماضي كمفاجأة، المفاجأة لن تكمن في تكرار المشهد نفسه بالطبع، ولكن سوف تكمن في عودته اللامتوقعة في توقيت لم نتوقعه أيضاً. لذلك تُباعد بيننا وبين الأشخاص، حتى إذا ما كادوا يسقطون من الذاكرة انتشلتهم من جديد، لتنفض أرواحنا مرة أخرى بفرح لذيذ ينعش الوجدان والذاكرة معاً.
يُقال إن الأوقات الجميلة التي تتعلق بالماضي لا تعود أبداً، تظل حبيسة الماضي فقط وخاصة به، لكن الأوقات الجميلة التي تخص الأصدقاء مستثناة من هذه القاعدة، فمهما كان زمن البعد إلا أنهم إذا عادوا فكأنما لم يفترقوا إلا بالأمس القريب. وليس بين الأصدقاء مثل أصدقاء الدراسة في حضورهم وغيابهم معاً، الحضور الذي كان مفعماً بتواصل يومي ثم تأتي ساعة التخرج لتغتال كل وسائل التواصل فجأة، وضياعنا بعدها في زحمة الحياة دون أن يعلم أحدنا عن الآخر شيئاً.
وإذا ما حضروا بعد زمن في مجالسنا، رأينا ذاكرتنا وهي تجوب بنا الماضي وتُلقمنا قطعاً من الحلوى، نشعر بحلاوتها في وجداننا، نهزّ جذع الذاكرة فتساقط علينا رُطبّاً جنياً، كأن أراوحنا تستوطن بعد طول اغتراب، فكما يقول المثل: «شر البلاد، بلاد ليس بها صديق» نتحلّق حول الماضي نستحضر كل أفعالنا، نضحك نتندّر، ونستمطر ألقاباً جديدة بجوار القديمة.
كم كان للـ «ممحاة» من دور مهم وجليل في حياتنا حينذاك، وانطلاقاً من هذا الإدراك إذا نسيت إحدانا ممحاتها، تقوم الأخرى بقطع ممحاتها الخاصة إلى نصفين عن طريق المسطرة، فتُعطي صديقتها النصف وتحتفظ بالآخر، نستذكر الموقف ونتنهّد متمنيات لو أن الحياة مازالت تحافظ على البساطة نفسها.
أولئك الأصدقاء هم الذين جمعت بيننا وبينهم مقاعد العلم والشغب اللطيف واللحظات الجميلة والمُربكة معاً، واسينا بعضنا على دراجاتنا الناقصة، وهنّأنا بعضنا على الامتيازات والتفوق، بل وازدحمنا جميعنا في اللحظات الأخيرة قبل تسليم الواجبات على طاولة واحدة، والدفاتر تطير من فوق رؤوسنا، ننسخ من بعضنا الإجابات تحت شعار «وتعاونوا»، كانت جُلّ قضاينا تدور حول فتوى تحريم الغش، وكيف نتحايل عليها ونجعلها حلالاً، كيف لنا أن نُطوّع المنطق لنجعله يخدمنا وينقذنا من مآزق كثيرة، كان أبشع تلك المآزق «الاختبارات».
ذاكرتنا القرآنية المُبللة بالبراءة والفطرة لا تستحضر في ظل اللحظات الدراسية الصعبة إلا بضع آيات ندعو بها، فحين نخشى غضب المعلمة ندعو بـ: «اللهم اجعل نار المعلمة الفلانية برداً وسلاماً»، «وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون» .. أكاد أجزم أن لا طالب أو طالبة مرّا على مقاعد الدراسة دون أن يتلوا هذه الآية في وجه معلمة غاضبة أو ورقة امتحان إجابتها غير واثقة، هذه الآية كانت ملجأ كل طالب خائف أو متوتر وحتى الكسول.
وبما أننا كنّا طلاباً في يوم من الأيام ونشعر بما يشعر به طلابنا وقد أنهوا للتو مسيرة الاختبارات الشاقة، وبقيَ أن ترصد الدرجات وتسلّم الشهادات، فلا مانع من أن نشاركهم الدعاء بأن يغشي الله أبصار المعلمين والمعلمات عن أخطائهم ويبني بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً، اللهم آمين.
m.ahmad@alroeya.com
المراجع
alroeya.com
التصانيف
أدب مجتمع الآداب قصة