كلما سمعت حديثاً عن الموت عدت إلى تلك الليلة المظلمة , أجلس في بيت من الطين تحت سقف من القصب , صوت بكاء النسوة يتردد صداه في أذني , صورة ذلك الرجل العجوز النحيف ذي اللحية البيضاء , هذا كل ما أذكره من صورة جدي , أعتصر الذاكرة فلا تأتيني إلا بهذا المشهد , أذكره جيداً يمسك بيد والدي ويقول بكلمات تخرج بصعوبة , يا ولدي لا تنس مكان البيت :
( حيفا - شارع البحر- بيت رقم 131 ) .
وأذكره أيضاً يحمل مفتاحا حديدياً قديماً ويعطيه لوالدي الذي تناوله منه بصعوبة حيث كان ملتصقا بكفه وكأنه جزء منه , بكلمات بالكاد كنت أفهمها تمتم جدي وقال : ( أضعنا البيت فلا تضيعوا المفتاح ) .
كان ذلك المشهد يعود ألى ذاكرتي عند خروجنا من المسجد بعد كل صلاة جمعة حيث كنت أذهب مع والدي لنقرأ الفاتحة على قبر جدي , المفتاح الحديدي الكبير الذي يعلقه والدي برقبته بخيط أخضر كان يذكرني بكل التفاصيل وبكل الكلمات , كم سمعته يحدث أمي عن المفتاح وعن الخيط الذي سيبقي المفتاح ملتصقا بصدره , وكيف ان هذا المفتاح يربطه بوالده ويربطه بحيفا وأظنه كان يتحدث بصوت مرتفع ليصل كلامه الى مسمعي .
لم أر في حياتي حزناً كذلك الحزن الذي سكن عيون والدي في ذلك المساء الذي عاد فيه من الحقل بيوم مغبر من أيام الخريف , سمعت أمي تقول له ما يجبرك على حرث الارض في يوم مغبر كهذا ؟ انظر لعينيك , إنها كالجمرات , كنت أعرف أن الغبار يسبب سيل الدموع , ولكنني أحسست أن الغبار بريء , وأن مصدر الدمع جرح غائر في الأعماق , أخذت ابريق الماء , فتح كفيه وسكبت فيهما الماء حتى امتلأتا , غسل وجهه مرات ومرات حتى زال الغبار , ولكن الماء عجز عن إزالة الدموع وما تحدث عنه من أحزان , كان والدي ينحني وأنا أصب الماء في كفيه وكاد الإبريق ان يفلت من يدي عندما وقع نظري على صدره , الخيط الاخضر ..... أين الخيط الاخضر ؟ لا اراه في صدره ولا ارى المفتاح , ربما هو في جيبه ؟ مستحيل , لا يمكن ان يفارق عنقه .. أين هو ؟ هل ضاع منه ؟ داهمتني الأسئلة من كل جانب , نظرت إلى صدره وإلى رقبته بتمعن أكثر , قطع صوته تفكيري قائلاًً : نعم يا ولدي لقد ضاع , وكأنه قرأ أفكاري بإحساسه الأبوي وجنبني بفطنته حرج السؤال , أضاف قائلاً : هذا الحصان اللعين جمح فأفقدني توازني بينما كنت أحرث الارض , سقط الخيط من عنقي وأنا أحاول تهدئته , لم أجده , حاولت وحاولت دون جدوى .
كان ذلك اليوم نقطة تحول في حياة والدي , غابت البسمة عن شفتيه , صار قليل الأكل وقليل الكلام , أهمل عمله في قطعة الأرض التي اشتراها بكل ما جمعه من مال في حياته , كان يذهب إلى الأرض فقط ليبحث عن المفتاح , وكم استبشر برؤية أي شيء لامع تخرجه فأسه في اثناء البحث , لعله ذلك المفتاح , ما زالت كلماته تعيش في داخلي وهو على فراش الموت ماسكاً بيدي يقول : يا ولدي كم تمنيت أن أسلمك المفتاح لكن القدر منعني , ما يخفف حزني يا ولدي أن قطعة الأرض التي دفن فيها المفتاح ما زالت لنا فحافظ عليها , أضعنا البيت وأضعنا المفتاح فلا تفرط فما بقي لنا , وابحث عن المفتاح , وأظنك تعرف مكان البيت :
(حيفا – شارع البحر– بيت رقم 131 )
انشغلت بوظيفتي وبأسرتي لكن قطعة الأرض ظلت تعني لي شيئاً كثيراً , ففيها كل المال الذي جمعه والدي في حياته , وفيها رائحة عرقه , وفيها المفتاح الذي هو جزء من والدي , كنت أعتني بالأرض كقيمة معنوية وليست مادية فليس لي في الزراعة والفلاحة , لم يتسلل اليأس إلى داخلي بل ظل الأمل حياً بأن أجد المفتاح , كنت أسمع من والدتي بأن من قرأ سورة الضحى وجد ضالته , كم ذهبت إلى الارض وقرأت سورة الضحى هناك , كم مشيت ذهاباً واياباً خلف الحاج أبو جمال وهو يقود الدابة ويحرث لنا الارض لعلي المح أي أثر للمفتاح , وكم اصطحبت اطفالي ليلعبوا في الأرض وكنت أقول لهم من وجد مفتاحاً فله مكافأة , كنت متيقنا بأن ظهور المفتاح مسألة وقت لا أكثر .
فرض التقدم العلمي نفسه على كل مجالات الحياة , كنت اذهب إلى الأرض ماشياً والآن اذهب بسيارتي , كانت الأرض محاطة بجدار من حجارة صُفت بشكل عشوائي , والآن أحطتها بسور اسمنتي ينتهي ببوابة حديدية , وها هو أبو جمال يبيع الدابة ويشتري جراراً زراعياً , ويبلغني أن حراث الأرض لهذا الموسم هدية منه , وأي هدية كانت ؟ هدية لا اغلى ولا أحلى , لقد نزل المحراث الجديد إلى عمق الأرض فقلبها رأساً على عقب , وكعادتي عند حرث الأرض كنت امشي خلف المحراث وعيوني كعيون صقر يرصد فريسته , ويا لهول ما رأت عيني , خيطٌ باهت اللون يشق الأرض , وكأنه ينبت منها , سحبته بيد ترتعش , هل سيخرج وحده ؟ ام هل سيخرج معه المفتاح ؟ سؤال كم كنت تواقاً لمعرفة إجابته .
ثانية تمر كأنها ساعات طوال , اريد ان أسحبه بسرعة والخوف يجبرني على سحبه رويداً رويداً , خرج الخيط من الأرض , ما زلت اشعر بثقل , استجمعت قوتي , بدأت بقراءة سورة الضخى , سحبت الخيط الى الأعلى فلمع المفتاح في عيني , رغم السنين ورغم ما حمله من تراب فقد حمل بريقاً يفوق بريق الذهب والماس , كان فرحي لا يوصف قفزت من مكاني مرات عديدة , أطلقت صيحة أظنها وصلت ألى مسامع أبي وجدي تحت التراب , ابني الأكبر قفز من تحت الشجرة وجاء إلي راكضاً , قفز معي , صاح معي , رفعته بإحدى يداي ورفعت المفتاح باليد الأخرى , أنه المفتاح يا ولدي , ضاع البيت اولاً , وضاع المفتاح ثانياً , والآن ابتدأت رحلة العودة , هاهو المفتاح قد عاد , بقي أن يعود البيت , هل تعرف مكانه يا ولدي ؟؟؟
بابتسامة وثقة بالنفس قال :
( حيفا _ شارع البحر _ بيت رقم 131 ) .
..............( البداية )................

المراجع

pulpit.alwatanvoice.com

التصانيف

أدب   الآداب   قصة