جاء العيد ، تراكض الناس لاستقباله ، و
قد خفوا إلى السوق ليحملوا ما لذ وطاب وهاهي ذي مدافعه تتوالى دون توقف ، فترتج
المدينة القابعة في أحضان العاصي ، وتتعالى صرخات الأطفال في فرح غامر .
أفاق حسن الصغير ، ففرك عينيه لعله يرى صورة جديدة في المنزل غير التي نام عليها ،
إلا أن أمله خاب ، إذ لم يتغير فيه شيء _فصرخ بأعلى صوته لينفجر بعد ذلك في بكاء
عميق : هاقد أثبتوا العيد ولم أشتر ثوبا جديدا بعد..
سكتت الأم على حزن ممض ، و أحست أن وعودها له لم تكن إلا طلقة من طلقات مدفع العيد
، لا تلبث بعد هنيهة أن ينتهي أثرها .
علا صوت حسن ، أحس به والده الذي ينام في الغرفة المجاورة ، فآثر أن يغطي رأسه ،
فللسماع ثمن .. وأي ثمن ؟!
استمر الصغير المدلل يصرخ باكيا ، ألم تقولي لي إن خالك محمود لا بد أن يذكرنا في
العيد ؟ لماذا لم يبعث لي ثوبا ؟ لماذا لم ترسلي له أحدا يذكره ؟؟..
أحست الأم بالحرج والحزن معا ،غير أنها تذكرت وصية أمها التي أحبتها من أعماقها وهي
تقول لها: الناس _يا بنتي _ في وقت الشدة صنفان : عدو يشمت، أو صديق يحزن ، الصبر
يجلب الستر ، والضجر يأتي بالفضيحة ..
وهل يكون محمود _ سامحه الله _ إلا واحدا من الاثنين ؟!
أمسك حسن بيدها ليقول في نبرات حزينة : إيه .. ماذا ستصنعين من أجلي ؟ أخوك محمود
نسينا .. ودمعت عيناه الحزينتان . ضمته إلى صدرها ، قبلت جبينه العريض ، تحاول
اصطناع الابتسام وهي تقول : يا شقي ! دائما كلامك أكبر منك ، قبل أيام كان محمود
خالك! والآن صار أخاك محمودا .. اذهب فاغسل وجهك ، ومُرّ على دكان الحاج علي ، وخذ
ثوبا على قياسك ، وقل له : ستدفع لك أمي بعد ذلك ..
تهلل وجهه الصغير ، وثب ببراءة محببة ، وفتح الباب وهو يركض .. عند ذلك تعالت أصوات
التكبير من المسجد القريب .
عاد حسن ، وقد استيقظ أبوه للذهاب إلى صلاة العيد ، فلبس ثوبه الجديد ، و مضى معه ،
لينضم بعد ذلك إلى مواكب الصغار في ساحة المدينة وقد غصت أرجوحة أبي حمادي بهم ،
وأما حسن الذي نفدت قروشه بسرعة ،فقد آثره الرجل العجوز على غيره ليدفع معه
الأرجوحة . على أن يركب فيها قبل انتهاء الشوط .
مضت أيام العيد ، وثوب حسن يحمل من غبار ساحة الألعاب، ومباهج العيد ما يحمل ،
وعادت الهموم تقض مضجع الأم وهي تتذكر ثمن الثوب واقتراب الموعد ، ولسان الحاج علي
الذي لا يرحم ، رغم طيبة قلبه وابتسامه في وجه الزبائن.. فوقفت تستجدي الصغير أن
يخلع الثوب ، لأنها غير قادرة على دفع ثمنه ، وقد وعدته بشراء ثوب أجمل منه .. لم
يستسلم حسن لرجائها ، غير أن إلحاحها الشديد جعله يخلع الثوب على مضض .. ويمضي معها
إلى دكان الحاج علي ..
كان الدكان ما يزال يغصُّ بالزبائن ، فوقفت في أقصى الجانب .. خف العدد .. التفت
إليها الحاج علي من وراء نظارته التاريخية ..
_نعم .. خير يا أم حسن ؟ .
تلعثمت وقد جف ريقها : والله و .. وثوب حسن
_ ما به ! إنه ممن أحسن قماش !!
_ لـ..لكن.. نريد أن نرجعه
_ همهم الحاج علي وهو يمسك بالثوب ، ويقلبه . وكأنه فهم المراد : خذي يا أم حسن
الثوب ، هو هدية مني للصغير .. نحن أهل على كل حال ..
انفتلت وهي لا تكاد ترى طريقها: سامحك الله يا محمود! أمسك الصغير بالثوب .. التفت
الحاج علي إلى شريكه : نجعله من الزكاة يا أبا الخير .. هز الشريك رأسه .
ترقرقت عينا أم حسن بالدموع ، وهي تمضي عائدة إلى البيت .. قدما حسن تنهبان الطريق
من خلفها ، حاملا الثوب ، وقد عاد العيد من جديد.
