الوجه الأول لا أعرف ملامحه أبدا. إنما يمكنني أن أتخيل بشرة سمراء فاتحة وعينين عسليتين عاديتين تشبهان ملايين عيون الأطفال في مثل سني عمره. لكنهما ربما عينان حائرتان مرتبكتان عن غير قصد، يعلوهما جبين مقطب دائما وحاجبان اقتربا من عمر البلوغ.
كم غريب وجه هذا الطفل وهو ينظر إلى أسفل من الدور الرابع، معتقدا كما غرر به أن ثمة شيء سقط من علٍ، لم يعرف أنه سيلحق به ليلتقطه ويطير به إلى الجنة. وجه، ربما ارتسمت في ثوانيه الأخيرة بالحياة آخر ملامح الاستغراب وأول علامات الدهشة. فأطفال التوحد لا يندهشون عادة، بحكم نظرتهم الفوقية للأشياء وأحكامهم النقية على الأحداث. إنهم ببساطة يطيرون بأجنحة مخفية فوق المعاني والرموز واللازم. لكن هذا لا يعني أن وجه الصغير لن يندهش مرة، من حنان أبيه المفاجئ والذي قرر عصر ذاك اليوم أن يكشف عن أجنحته الغضة، ويرميه كطائرة ورقية ولكن بدون خيطان، فمات!
الوجه الثاني أستطيع أن أرسمه بالتفصيل لطفلة ذات ثلاث سنوات مدورة التقاطيع. عيناها مفتوحتان على آخريهما تحت حاجبين تقوسا من شدة الذهول، أنفها كحبة جوز بلونها المحير، شفتاها مزموتان متصلبتان. ويعلو هذا الوجه الجميل ذراعان صغيران مرفوعان فوق الرأس إشارة للاستسلام التام. الطفلة السورية اتخذت هذه الوضعية المتفانية في الرضا بالقدر والمكتوب، بعد أن ظنت بأن آلة الكاميرا بيد المصور الذي التقط لها هذه الصورة، هي سلاح بيد أحد القتلة موجه إلى وجهها، كما فعل مع أقران كانت تلعب معهم الغميضة قبل ساعات خلف خيمة لجوء متنقلة. خيمة ترتحل ناقصة عددا وأحدا بعد سماع صفير الرحيل.
ظنت الصغيرة أنها وحين تنطلق الرصاصة، سيقفل جفناها وسترتاح أخيرا من المشي بين الصخور، ولن تضطر أن تحمل بعد الآن كيسا أثقل على أصابعها الطرية، فيها رضاعة شقيقها النكد وأعشاب جافة داخل علبة حليب قديمة.
الوجه الثالث كان ملتصقا على الحائط في الحقيقة! فبينما كانت كفان غضتان تتلقيان ضرب الخيزرانة، وهما معقودتان إلى خلف ظهره، كان محرما على العينين المعتصرتين ألما أن تنظرا إلى الوراء لتشاهدا الجلاد، وهو ينفذ عقوبة التأديب أمام الصف وأمام كاميرا مخفية، خبأها معلم مربٍ فاضل آخر، ليتسلى مع زملائه المربين الأفاضل في فترة الاستراحة بين الحصص.
الفيديو عربي المنشأ، انتشر بسرعة مذهلة في مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تنديدات بالفعل غير الأخلاقي ومطالبات بإيقاع العقوبة الرادعة للمعلمين المستهترين. والغريب أن من يتابع ردود الفعل واسعة الطيف عالية الصوت، يعتقد أننا نعيش في السويد أو النرويج! فالمعروف أن كل إناء بما فيه ينضح، وقصة الاستثناء التي نضحك على المؤسسات الدولية بها حتى لا نخرج بسواد الوجه أمام الأجانب، لن تنطلي علينا نحن سكان هذا الكوكب!
لأن كثيرين إن لم يكن غالبية هؤلاء المستفزين المستنفرين، مارسوا أو ما يزالون شكلا آخرا من العنف ضد الأطفال في البيت والشارع والنادي، أو على الأقل مارسوه على كبار أو “كبيرات” أمام أعين أطفالهم. فرجاء اتركوا عنكم هذه الاسطوانة المشروخة. ومارسوا هواية البكاء والصراخ في منابر لاتينية اللغة.
تلك الوجوه، ومعها قريباتها الألف أو المليون، نسمع حكاياتها الحزينة ونشاهد فصول حياتها أمامنا كل يوم. على إشارات المرور المملة، خلف حاوية القمامة الضاربة في القسوة، فوق أنقاض نافذة فجعها القتل، بطرف ثوب أم هاربة من الخوف، بين طابور جوعى مخيمات طارئة، تحت محرك سيارة معطلة، حول لغم مزروع بعناية فائقة بين عشب الربيع. تلكم الوجوه، بوجودها الطاغي المقيت المخجل، تمحو ملامحنا البشرية الكبيرة من على صفحات وجوهنا، تاركة لنا بعضا من الماء نتعرق فيه!


المراجع

alghad.com

التصانيف

أدب  مجتمع   الآداب   قصة