الجمعة, 28 ذو القعدة 1447هـ الموافق الجمعة, 15 أيار 2026

تاجر الموت


 
DeathMerchant.jpg
 

 

كان إيمانويل، المهندس والأب لـ 8 أبناء، مستاءاً بشدة حين أعلن إفلاسه واضطر لأن يغادر بلاده السويد ويبدأ بالعمل في سان بطرسبرغ في روسيا تاركاً خلفه أبناءه الـ 8 وزوجته في السويد لينطلق في حياة جديدة يكافح فيها لأجل مستقبل عائلته. إيمانويل الذي عانى من حياة صعبة وفقيرة تبسم حظه له أخيراً حينما لفت عمله في صناعة ألغام بحرية متفجرة انتباه القيصر الروسي الذي رأى في عمل إيمانويل فرصة ليؤمن روسيا من أي اجتياح بحري محتمل، وكانت هذه اللحظة التي غيرت تماماً حياة إيمانويل من الفقر المضجع إلى الثراء الفاحش والنجاح السريع، وسرعان ما حطت قدما زوجته وأبنائه الثمانية في روسيا ليعيشوا معه.


تلقى أبناء إيمانويل أفضل ممارسات التعليم الممكنة تحت النظام الروسي الصارم، ومن أبناء إيمانويل الثمانية، كان هناك ألفريد، ألفريد الذي برع في الكيمياء والفيزياء والعلوم الطبيعية والشعر. أحب ألفريد الشعر وكان مغرماً بكتابته، أراد أن يخصص كل حياته ليكتب الشعر ويدرسه، ولكن أحلامه اصطدمت بمعارضة والده إيمانويل، الذي أرسل ألفريد ليكمل تعليمه العلمي خارج روسيا، وخلال سنتين، زار ألفريد السويد وألمانيا وفرنسا وأمريكا تاركاً خلفه عالم الشعر متجهاً إلى عالم الكيمياء والهندسة.

ألفريد، من الشعر، للعلوم


بدأ العام 1863 وبدأت معه نجم ألفريد بالسطوع، انتشر اسم ألفريد في العالم على أنه الشاب الجديد الذي يعمل على صناعة أجهزة متفجرة تستخدم النتروجليسرين، المادة السائلة شديدة الإنفجار، والتي كان يعمل ألفريد على ترويضها ليستخدمها البشر، ولكن الطريق لترويض النتروجليسرين كان مفروشاً بالدماء والنيران التي التهمت مصنع ألفريد في عام 1864 وقتلت العديد من العمال، من بينهم شقيق ألفريد الصغير، إميل.



بعد ثلاث سنوات من وفاة إيميل، وبعد العديد من المحاولات، توصل ألفريد لطريقة يسيطر فيها على النتروجليسرين، و وضعه في أسطوانة صغيرة، أطلق عليها الإسم: "ديناميت"، المشتق من الكلمة الإغريقية dynamis والتي تعني "القوة"، وكان ألفريد سعيداً حقاً بهذا الإنجاز، تصور ألفريد أن الدينمايت بإمكانه أن يسهل حياة عمال المناجم ويسهل عمليات الحفر وشق الجبال، كان ألفريد يتوقع أن اختراعه سيريح البشرية ويجعلها تتقدم إلى أماكن غير مسبوقة، ورغم أن الديناميت كان فعالاً جداً في مساعدة العمال وشق الجبال وتفتيت الحواجز الصخرية، سرعان ما تلقف البشر هذا الإختراع لتفتيت بعضهم البعض، وبدل أن يستخدم الديناميت لتفجير الجبال، استخدم لنثر أشلاء البشر وتقطيع أوصالهم، وضعه البشر في المدافع وأشعلوه ورموه على المنازل، وكل هذا دون أن يوافق ألفريد أو يتوقع ما حصل.

 

أعواد الديناميت


نمت ثروة ألفريد سريعاً من بيع الديناميت، ألفريد كان يظن أن اختراعه يخدم البشرية، بينما كانت البشرية تأخذ اختراع ألفريد لتدمر بعضها البعض بوتيرة أسرع، ولم يكن يعرف ألفريد حجم الضرر الذي سببه اختراعه حتى توفي شقيقه لويس في العام 1888، حين ظنت الصحافة العالمية خطئاً بأن الذي مات هو ألفريد وليس لويس، وكانت صدمة ألفريد شديدة جداً حين التقط الصحف و وجد خبر وفاته يتصدر الصفحات الرئيسية، ولم يكن العالم يحتفي بـ ألفريد على أنه المخترع العبقري، بل كان يلومه على الدماء التي تلطخ يداه، والأشلاء التي تناثرت من ديناميته.. كتبت الصحف عن " وفاة تاجر الموت " الذي جمع ثروته الطائلة من جثث الآخرين، وكان ألفريد حزيناً حقاً، لأن اختراعه الذي عمل لأجله ليسهل حياة البشرية وخسر شقيقه في انفجار المصنع أصبح سبب تناثر دماءها، وأما حياة ألفريد فـ أصبحت حياة منبوذة يعرف العالم عنها بأنها حياة أراق صاحبها الدماء وجمع ثروته فوق تل من جماجم الموتى!


أراد ألفريد أن يعلن للعالم أنه ليس الوحش الذي يظنه العالم، بأن اختراعه لم يكن من المكتوب له أن يسيل شلالات الدماء، ولا أن يوضع في فوهات المدافع ويقذف به البشر على بعضهم البعض، بل أنه مسالم، ونواياه طيبة.. وليفعل هذا، كتب ألفريد نوبل، وصيته الأخيرة في العام 1896، التي خصص فيها معظم ثروته (التي جمعها من بيع الديناميت) ليصنع جائزة اسماها بإسمه، جائزة نوبل، لتكرِّم كل أولئك الذين يبنون جسوراً لتصل البشرية ببعضها البعض، جائزة هي الأكثر تقديراً في العالم، تحتفي بكل أولئك الذين كرسوا حياتهم لكي تتقدم البشرية إلى الأمام، كل الذين يواجهون المجهول، ليجعلوا البشرية أقوى!

 


المراجع

pi-arabic.com

التصانيف

أدب   الآداب   قصة  
login