انخرس الهاتف
ذلك الهاتف العجيب الذي كان مزعجا حد الابتذال لم يعد يرن ...تلك المكالمات الساخنة
التي كانت تأتيك من كل حدب و صوب لم يعد لها أي أثر ...أولئك المتملقون والتافهون
الذين كانوا يحرصون على تقديم فروض الطاعة و الولاء بمناسبة و بغيرها، صاموا عن
مكالمتك، جميعهم تركوك وحيدا في " عزلة المائة يوم " ، لم يعودوا بحاجة إلى
مهاتفتك وإخبارك بالتافه والمهم أملا في كسب عطفك و رضاك ...حتى من كنت تظنهم
أحبة قاطعوك وتركوك تائها في بيداء من اللانهائي ...
أ هكذا تكون نهاية المشوار ؟ أ هذا هو المعنى الحقيقي للآخرين ؟ الفائت كله كان
زيفا و سرابا أخاذا ؟ فحتى عهد قريب لك لم يكن بمقدورك تناول الطعام دون أن تزعجك
مكالمة هاتفة من ذاك الهناك ، و لكن ها أنت اليوم تستطيع أن تتعرف على ما يرقد في
أحشاء الهاتف النقال من برامج و ألعاب ، دون أن تتلقى اتصالا واحدا، لكن لا يهم إنه
درس آخر من دروس زمن الرداءة و العفن يفترض فيك أن تلتقطه على وجه الدقة و السرعة
معا ...
الهاتف يرن مجددا ، بات مزعجا للغاية هذه المرة ، لقد تناهى إلى علمهم أنك عائد إلى
عهد البائد لا محالة ، جميعهم يخطبون ودك ، يكذبون و يقولون بأن الزمن هو ما منعهم
من الاتصال بك في الأيام الماضية ، غنهم يتضامنون معك تضامنا لامشروطا ،و يعتبرونك
نبيهم و مرشدهم البهي نحو الخلاص ، لم يعد لك الوقت من جديدا للعب بهاتفك ، لن
تستطيع تناول الطعام من غير رنينه المزعج ، تغير الرقم الهاتفي، لكنهم يصلون إليه، عبثا تحاول التخلص من ظلهم الثقيل ، هاهم مرة أخرى يحاصرون لحظاتك الجديدة ويعلنون الانتماء لصلاتك ، فأنت الخلاص و المنتهى ...
***
مرة أخرى ينخرس الهاتف ، لأنك عدت من حيث أتيت ، لم تعد نبيا و لا خلاصا لأحد ،
العزلة تطوقك من جديد ، الطقس البارد يهاجم مساءاتك القادمة ، المعنى الهارب منك
دوما يفر منك نحو مغاليق الليل الحالك ، تلعن اللحظة التي قررت فيها الانضمام إلى
عالم تكنولوجيا الاتصال ، تهرب من عالم الزيف إلى البحر رفيقك الذي لم يخذلك قط ،
تتأمل أمواجه و صخوره ، تهديه هاتفك النقال و تنتهي من الألم الذي يجلبه لك ...
تتساءل و الزهو يملأ صدرك ، أليس في المقدور التحرر من سلطة الهاتف ؟ ألا يمكن
العيش بلا هاتف ؟
***
تذهب إلى عالمك الافتراضي على شبكة الانترنيت ، فتجد علبة الرسائل ملأى عن آخرها
برسائلهم المداهنة ..إنهم يجتاحون صمتك و انهيارك و تألقك و بهاءك ...لن يتركوك
وحيدا ما دامت صناعة الحياة هي قدرك الوحيد ، فاحذرهم قبل أن ينخرس هاتفك ؟
ألم ينخرس الهاتف بعد ؟...بعد زوال قليل من النعمة سنخرس حتما ...
