النفط هذا السامريّ ..!


المدينة ترجف بخبر مهول .. الصبية في الشوارع يصرخون وعلى وجوههم علامات استفهام لا تحصى :
- النفط في الآبار غار .. وحقول الغاز اختفت ..
أعول ذو كرش كبير :
- النفط في الآ.. با .. ر .. غا.. ر.
وسقط عقاله والغليون ثم سقط خلفه بسكتة قلبية .. مدينة الضباب الأبدي فقدت أحد فرسان لياليها المغاوير!
.. واه لغدرات الزمن ..
عصبة الحل والعقد في بلاد مابين " الحقلين الأسودين " انتفضت في جنون ، وأرسلت على عجل من يتقصى نبضات اللص المجنون الذي خبأ مفاتيح مغارة الأحلام في عين الشمس الحمئة ..
العجائز صبغن شعورهن بحناء "زريبية"1 منتقاة ونفضن الغبار عن المناول القديمة ،وسرى في عروقهن دم طالما بعث الحياة في البرانيس البيضاء والسرج النموشية1 .
الشيوخ أشاروا بأيد خشنة كأنها قدت من أديم الأرض ، إلى حقول القمح المهجورة وقالوا بصوت أسطوري :
- الحل هناك ..
في لحظة اسمرار الزنود تنبت الأمواج الخضراء ، لتغسل درن السنين العجاف ولطخات الغنى " الأسود " الكذوب .
الشعراء.. الغاوون:
- انطفأت أضواء المدينة وهدأ الضجيج ..انسربت زرافات الشعراء تبحث عن المخرج في أودية " الجن "
قال قائل منهم :
- هذا الحلم غريب ... زبدة في شمس النهار تذوب ..
انتفض ثان بصوت مبحوح :
- بل هو كابوس رهيب .. وغشية النوم العميق وحدها السبيل .. هلموا نرقد عند سدرة الوادي الخرافية ، لعلنا نلهم بقصائد اليوم الجديد .
زعق ثالث وقد أتعبه طول انتظار :
- كذبتم يا دجالين وما أحطتم بالأمر خبرا ، سر الخلاص في ملك جديد يرفع عنا الأغلال ، ويرسل حناجرنا ببركاته تصدح بالماء الزلال .
أما غييهم فقد ناد من بعيد:
- نحن أهلك الناس يا أغوى الناس .. فعندي للكلام سوق جديد و "إخشيد" جديد ، أحول له لون القار إلى عجل ذهبي له خوار .
ترددت بين حنايا الوادي قعقعة سيوف صقيلة ، وحمحمة خيول عتاق.. نكس الشعراء رؤوسهم وخنسوا بين فجاج الوادي الكبير ، يستطلعون جليّة الأمر المريب وصدورهم تكاد تنقصف من وجف القلوب .
كانت كوكبة من حاشية السلطان يصطادون في الجنبات ، أرهقهم الطراد فقصدوا الوادي يستروحون ...
نكس الشعراء رؤوسهم وتنفسوا الصعداء وخلعوا سراويلهم المبللة لتجف فوق شجر " الطرفة " التي تغطي أنحاء الوادي ، المختنق برائحة الجيف المتحركة.
السنون العجاف :
شدوا الأحزمة .. إياكم وإرخاء البطون ، كتلة شحم واحدة تزيد قليلا عن مقررات " المراسيم " جرم يعاقب عليه القانون .. زمن القحط قد هدرت أمواجه الكالحة ولا نفط بعد اليوم .
وأعلن النفير في بلاد ما بين "الحقلين الأسودين" طلبا لمشورة أرباب الخبرة والبصر السديد ..
وجاءت كوكباتهم تترى ..
عيون زرقاء :
السمة الغالبة على أعضاء الوفد الذي زار مملكة مابين "الحقلين الأسودين" ، هي عيونهم الزرقاء وشعورهم الصفراء .. أناقتهم فاقت كل الخيالات ، وكلماتهم المطاطية الهلامية ، شوشت أفكار الناس وملأتها ريبة ، لكنهم لم يفقدوا فيهم اليقين ، لاسيما وقد أكد ذلك الكبراء والوجهاء والعارفون .
طفل وحيد لم يتجاوز العاشرة صرخ فيهم وهو يقول:
اذهبوا يا ذوي روؤس الخنازير .. النفط ما عاد يجري تحت الأقدام ، أرضنا استعادت نضارتها كيوم كانت بكرا قبل القار المشؤوم ...
قال أصلع رأسه يشبه ذيل حمار طويل يمتد إلى ما وراء البحار:
- لا تلتفتوا إلى سخافات طفل مغرور ... وهلموا لنأكل من العجل السمين .
قال قائلهم: إن شحمه ذهبي اللون كأنه من تبر مكنون ... أهو صنع يديك يا سامري قومه ؟
ضحك الأصلع ملء الأشداق فاهتز كرشه الضخم وقال :
أموت في عشق عيونكم الزرقاء يا أهل مغرب الشمس اللطفاء.
وفي جلسة مغلقة تم كل شيء ، بيعت الأرض والماء والهواء وقبض الثمن البخس باليمين ، ليدفع بالشمال في ليال حمراء ، الماء فيها له رائحة الغسلين والدم الفائر في العروق ينضح صارخا " ويلك يا هابيل ويلك يا هابيل ماذا صنعت بأخيك ولا غربان في الأفق تستر السوءات ..؟ "
مرت سيارة بنبع القار الأخير وأسروا ما فيه بضاعة مزجاة وما من "عزيز" يحضن الطفل اليتيم أسمر الشفاه ، الذي صرخ ملء شدقيه :
- هذا القار جلبابنا الأخير .. هذا القار جلبابنا الأخير .. بل هو غشاوة انزاحت عن العيون ، فبصرنا اليوم حديد .


هامش:
1 – نسبة إلى قرية ببسكرة ( الجزائر ).
2 – نسبة إلى النمامشة ، فرع من الأمازيغ .

المراجع

الموسوعة الالكترونية العربية

التصانيف

أدب   الآداب   قصة