سأحدّثُكم يا أصحاب ، عن مرضٍ عُجَاب ، يُتلِف الأعصاب ، أصبحتُ أخشى لو ذكرتُهُ أن يَطرُقَ الأبواب ..
جاءني في الشتاء ، و لَيتَه ما جاء ، قبّحَهُ اللّهُ مِن داء ، كم قد شقيتُ و أنا أبحث له عن دواء ..
اسمُهُ حقير ، يقولون له البواسير ، طرَحني كَنَفثاءَ في السّرير ، دمٌ و قيحٌ وألمٌ مرير ..
إذا دخلتُ إلى المرحاضِ فالوَيلُ الوَيلْ ، كطلقاتِ الولادةِ في ساعةٍ مُضنِيَةٍ من الليلْ ، فدماءُ الطّلقِ عندي تماماً كالسَّيلْ ..
و الألمُ لا يكلّ ولا يملّْ ، ولا يغادرُ ولا يُفَلّْ ، لذلك خرجتُ أبحثُ عن حَلّ ..
توسّلتُ إلى صديقي : وايمُ اللهِ عليكِ يا رفيقي ، أن تُخرِجَني مِن محنتي و من ضِيقي ..
فقالَ لي : اِطلِيهِ بالثَّوم ، كي تحظى بِقسطٍ ولو يسيراً مِنَ النّوم ، فيستريح مِن أَنِينِكَ القَوم ..
فاتّبعتُ النّصيحة ، وكانت ليلةً قبيحة ، بعدما صار فيها سكونُ اللّيلِ صراخاً و فضيحة ، فقلتُ في نفسي واللّهِ لَأَستشيرَنَّ عمتي سميحة ، فهي امرأة قد أكلَ الدهرُ عليها و شرب شربةً صحيحة .
فقالت يابنَ أخي الموجوعَ عليكَ بالمغاطس ، وارتدِ الفضفاضَ من الملابس ، ولا تقعد سويّاً بل اضطّجِع في المجالس ، فقضيتُ ليلتي تلك وأنا بِدَلوِ الماءِ والملحِ منقوعٌ و جالس ..
فما راحَ الألمْ ، ولا خفّ القيحُ بل زادَ السّقَمْ ..
فقلتُ واللّهِ لَآخذنَّ رأيَ جيراني ، فهم صحبي و خِلّاني ..
فقالوا لي : اشترِ المراهم ، فهي ليّنةٌ طريّةُ المعالم ، و عافاكَ اللّهُ يا جارَنا المقاوم ..
فَطُفتُ على الصيدلياتِ أسألُ عنها ، و دَهنتُ منها ، مرّةً و مرّتين ، وليلةً و ليلتين ، و ثلاثاً و أربعا ، فما كان للألمِ أن يُقلِعا ..
فزارني جاري الكريم ، و قال لي يا صديقي الحميم ، أتيتُكَ بِنَبأٍ عظيم ، هذي وصفةٌ عصماء ، سَتشفيك من كلّ علّةٍ عمياء ، فادهَن منها قليلاً عند المساء ، و سيزول عنك الألم و الوجع و الداءْ ..
فقاطعتُهُ قائلاً : واللهِ لو دَهَنتُكَ بَدَلَ المرهمِ أنتْ ، ما شُفِيتُ ولا سَكَنتْ ، ولا هدأتُ ولا كَنَنتْ ، لِذا سأذهبُ للطبيب ، فهو وارعٌ و عارفٌ و لبيب ، لذا سأزحفُ نحوه في حَيّهِ القريب ..
فسألني الطبيب واستفسَر ، ثمّ نظرَ واستبسَر ، فقال تعالَ إلى الجَسّ ، فرَجَفتُ خوفاً مِنَ الفحصِ و المَسّ ، فأمرني قائلاً : انزَع بنطالَكَ واسجُد ولا تهمس ..
فقرّبَ أصابعَهُ من الجُرح ، فَعَلَا الصّراخُ و الصَّيْح ، ورحتُ أستغيثُ : يا ليتَ أجلي يُبَاغِتُني الصّبح ..
ثمّ جلَّسَ نظّارته وقال : سأعطيك من هذه التحاميل ، في كلّ ليلةٍ تأخذُ واحدةً منها قُبَيل النومِ بِقليل ، و سوف تهنَأُ إثرَها بالنوم الجميل ..
ظننتُ أنني حصلتُ على الشفاءِ المرزوق ، ما كنتُ أحسبُ أنّ تحميلتَهُ تُماثِلُ الخازوق ، وأنني سأتلوّعُ منها وجعاً كالدّيكِ المخنوق ..
فكيفَ أحبو صباحاً صوبَ مدرستي ، إنّ هذه و ربِّ الكونِ مُعضِلَتي ، فواخجلتاهُ منكم يا تلامِذَتي ..
رحتُ إلى مدرستي في الصباح الباكر ، و دخلتُ الصفّ محتسباً أنّي على التدريسِ قادر ، وابتسمتُ ابتسامةً مُصطنعةً كثعلبٍ ماكر ..
بدأتُ بالتّفصيلِ و الشّرح ، و توسَّعتُ في ميادينِ اللّغةِ العربيةِ و الفُصح ، و تناسيتُ الجُرحَ و القَرح ..
وعلى حين غفلةٍ من أمري أتت الإغارةُ أسفلَ منّي كالصواريخ ، مِن حيرتي وددتُ ولو بلحظةٍ أن أغدوَ على كوكبِ المرّيخ ..
أخرَجتُ مِن معطفي الجوّال ، و تظاهَرتُ أنّ لديّ مكالمةً في الحال ، فيا أيّها الطَلَبةُ سأغيبُ دقائقَ فاصمتوا و اخرسوا كي لا ينكشفَ أمري و لا تُكثِروا مِنَ القِيلِ والقال ..
غادرتُ الصفّ فوراً ، و دخلتُ المرحاضَ سرّاً ، و كتمتُ عنهم وجعاً و قهراً ..
فإلامَ ستستمرّ هذي المعاناة ؟!
و مِن أينَ أشري صبراً و مواساة ؟!
فيا إلهي أنتَ ربّي ، و أنتَ حِبّي ، و أنتَ طِبّي ، و أنتَ أدرى بالمداواة ..
ثمّ غادرتُ مدرستي كسيرا ، فصادَفتُ شخصاً سِكّيرا ، قد احتسى من الخمرِ قواريرا ، ليس له أسنان ، و ثوبُهُ ممزّق الأرجاءِ و الأركان ، و شَعرُهُ ممتلِئٌ بالقُمّلِ و الصِّئبان ..
فقالَ لي مابالُكَ تمشي باعوجاج ؟ تروح و تغتدي متمايلاً كمشية الدجاج ، لعلّك مصابٌ بالبواسير و أنتَ إلى خِبرتي محتاج ...
ثم استرسلَ قائلاً : يا هذا عليكَ بالماءِ و ( القُطّين ) ، تارةً أو تارَتين ، فقلتُ في سريرتي تَاللهِ إنّ الحِكمةَ مأخودةٌ مِن أفواهِ المجانين ..
فاتبّعتُ وَصفَتَهْ ، و اقتديتُ بِنَصيحتِهْ ، فمرّت الأيّام ، و رويداً رويداً زالت الجروحُ والقروحُ و الآلام ، و لكنّها تعود إليّ بين الفينة و الفينة الأخرى ، فما وجدتُ لها حلّاً ولا مَن بها أدرى ، و مازلت أنشد :
كم كنتَ ليلاً أيا باسورُ تُشقِيني
و فتحةُ الشّرجِ تؤلمُني و تكويني
إذا قبلتَ بيومٍ أنْ تُقَايِضَني
خُذِ الفؤادَ ، و صكَّ الحِلِّ أعطيني
فمتى سترحلُ يا باسورُ عن دبري
فَلَستَ إلّا صِليّاً مِن شياطين ِ
لم أُبْقِ شخصاً ولا طِبّاً ولا أحداً
إلّا و قلتُ لهُ : يا هذا نجّيني
غدوتُ حقلاً لتجربةٍ و تجربةٍ
و كدتُ أخرجُ عن طَوري و عن دِيني
يا كُلّ أمٍّ إذا تُعصَيْنَ مِنْ ولدٍ
فادعي يُمَسُّ من الباسورِ في الحِيْنِ
المراجع
pulpit.alwatanvoice.com
التصانيف
أدب الآداب قصة