وقف المرضى على اختلاف آفاتهم و عللهم العضوية و النفسية في طابور طويل يتلقّون
العلاج على يد مشعوذ اشتهرًتْ به المملكة مِن أقصاها إلى أقصاها .. و كان هو بدوره
لا يردّ أحداً من مرضاه خائباً مهما كان مرضه أو بلغَتْ علته .. كان يجلس المريض
أمامه ويصدر حركات غريبة و يطلق ترانيم و تعاويذ غير مفهومة للحضور ، كان تارة يصبّ
الماء على رؤوس المرضى و تارة يضع يده على أعضائهم العليلة و تارات أخرى ينفث في
وجوههم و أجسادهم .. كان يتعامل مع المرضى بنفسية تملؤها الثقة و كأنه المسيح عيسى
بن مريم عاد من جديد يتصدى للأمراض بأنواعها و يشفي الأبرص و الأبكم بإذن ربه .. و
عندما جاء الدور على رجل ثيّب كان يقف في الطابور طلب منه المشعوذ كسابقيه الجلوس
أمامه ، فقال له الرجل :
-
قبل أنْ تبدأ بإطلاق تعويذاتك أو تصدر حركاتك الغريبة ، وددْتُ أنْ أخبرك بأنني لا
أؤمن بك و لا بخزعبلاتك هذه ، فأنا لا أراك سوى مشعوذاً و مرتزقاً ؟
فامتعض المشعوذ امتعاضاً شديداً و قال :
-
كيف تنعتني بالشعوذة أيها الأحمق الخرف ؟
و لماذا تقف إذن في الطابور إنْ كنت تراني مشعوذاً ؟
أجاب الرجل العجوز في هدوء :
-
لقد أرغمني أولادي على المجيء بعد أنْ طافوا بي على كل حكماء المملكة دون جدوى !!
ازداد المشعوذ في امتعاضه حتى بدت تجاعيد وجهه ، ثم رمى ببصره صوب الحاضرين و قال
:
-
ألا ترون ؟ لقد اعترف بنفسه أنّه لم يجد العلاج عند أي حكيم في المملكة ، فأنا محط
أنظار المرضى اليائسين كما ترون !!
ثم
استدار نحو سجل ضخم كان قد وضعه على مقربة منه ، و أردف قائلاً :
- أ
تروْنَ هذا السجل ؟ إنّ هذا السجل الضخم يحكي قصة حكمتي و بركتي التي تحل على
المرضى منذ ما يناهز الثلاثين عاماً ، إنه يضم في بطنه أسماء الآلاف من المرضى
الذين تلقوا العلاج على يدي ثم تماثلوا للشفاء ، و قد كتبتُ إزاء اسم كل مريض نوع
مرضه و تاريخ تلقيه للعلاج على يدي ، و بإمكانكم أن تطلعوا عليه بأنفسكم لتصدقوني
.. و بعد كل هذا يأتيني عجوز خرف لينعتني بالشعوذة و الارتزاق و يقلل من هيبتي و
اسمي ؟!
ابتسم الرجل و قال :
- و
يا ترى هل فكرت يوماً أنْ تفتح سجلاً آخر لأولئك المرضى الذين تلقوا العلاج على يدك
و لم يحصل لهم نصيب في الشفاء ؟ هل فكرت أن تدون أسمائهم أيضاً في سجل آخر و تضعه
بجانب هذا السجل ليراه الناس ؟
و
استدار الرجل صوب الحضور و قال بأعلى صوته :
-
لن يفعلها بكل تأكيد يا سادة الحضور .. هل تعرفون لماذا ؟ لأن السجل الذي سيتمخض عن
هذه العملية سيكون ضعف هذا السجل الذي عنده ، و وقتها سوف لن يجد في هذا الطابور
سوى سفهاء المملكة الذين سلب الله منهم نعمة العقل و التمييز بين الحق و الباطل .
قالها ، ثم استدار صوب المشعوذ مرة أخرى و قال :
-
إنك لا تظهر وَجْهَيّ العملة للناس . بل تظهر لهم فقط الوجه الذي يروق لك و تخفي
الوجه الآخر .. إنك تمسخ الحقيقة لتضلل الناس من حولك . و لتعرف جيداً أنّ جولة
الباطل قد تكون ساعة و لكن جولة الحق إلى قيام الساعة !!
امتعض المشعوذ من كلام الرجل و أدار له ظهره و قال لخادمه الذي كان يقف قريباً منه
:
-
أطرد هذا العجوز الخرف فلا يجوز لبركتي أنْ تحلّ على إنسان يشك بطهارتي أو يقلل مِن
هيبتي أمام مرضاي .
