الكلاب السود
تحت زخات المطر المنهمر بغزارة، ورعيد السماء الذي يصم الآذان. وفي عرض صحراء قفر تكاد تخلو من نباتات الأرض.
لاحت تحت سنا البرق أجساد لكلاب تتجمع للحظات ثم تتبعثر، لتلتئم من جديد في جوقة واحدة. كانت أصواتها تشق صمت الصحراء في محاكاة لهدير الرعد وفحيح الريح المزمهرة.
ومع كل نباح يصدر منها يأتي الرد أشبه بالصدى من كلاب أخرى تفرقت في تخوم الصحراء. ولا تلبث هذه الأصوات البعيدة أن تقترب رويدا لتنضم إلى رفيقاتها معلنة زيادة جديدة في عديدها.
ومع إطلالة الفجر، وبعد أن تبددت سدف الليل المتراكمة بصباح اختبأت شمسه تحت كتل من غيوم كثيفة، لم تزل ترشقها بوابل أمطارها.
وكأن الكلاب استبد بها الجنون. راحت تعدو في اتجاه واحد لا تكاد عنه تحيد، وفي عيونها وميض مستعر. أخذ عددها يزداد باضطراد. ومع كل ميل تقطعه تنضم إليها أجواق جديدة. لا شيء يدلها على بعضها البعض سوى الغريزة.
انطلقت في سرعة مجنونة، حافرة من تحتها الأرض، كأنها أسهم قدت من لهيب. كان لصوت أقدامها قرقعة وهي تدب على الأرض بقسوة تطايرت لها الحصى وانبعجت الرمال المشبعة بماء المطر.
...............................
في زحمة السوق بساعة الذروة، حيث يكتظ بالمشترين من أبناء المدينة أو الوافدين عليها من الأطراف. ومع علو صخب الباعة وهم يعلنون عن بضائعهم مستخدمين شتى الأساليب. وعلى حين غرة...
كلاب تربو على المئات بل الآلاف، متلفعة بشعرها الأسود المغسول. لا أحد يعلم من أين جاءت أو كيف تجمعت بهذه الأعداد ، تدهم السوق بنهم مسعور لكل لحم بشري.
تنقض بوحشية على الآدميين. تبقر البطون بمخالبها الناصلة. تغرس أنيابها المشحوذة في السيقان. تطيح بالرجال أرضا. تفترسهم بقرم عجيب. قتل الكثير وفر الباقون.
تنتقل بسرعة إلى بقية الأحياء. تهجم على الكتل البشرية أثناء خروجها من الدوام. تخضب الصغار بدمهم. خرجت أمعائهم جراء النهش. نحرت النساء من أعناقها. ثمة امرأة حامل افترست هي وجنينها الذي اكتمل في أحشائها.
لم توفر الكلاب أحدا.
توجهت نحو مركز الشرطة.. ومع إطلاق النار، وتحت وابل الرصاص، تساقط قسم منها فيما وصلت البقية للداخل، لتأتي على رجال الشرطة فتكا وتمزيقا...
الكلاب تنتشر في أنحاء المدينة. تجوبها طولا وعرضا فعي عملية بحث عن فرائس جدد. ومعلنة سيطرتها الكاملة على المكان...
غلقت الأبواب بالمتاريس والأقفال. وضع الأهالي قطع الأثاث الكبيرة خلفها زيادة في الحيطة والحذر. طفقوا يرقبون حركتها من على الأسطح أو من خلال خصاص النوافذ.
يمر اليوم كأنه الدهر. ومع انتشار العتمة.. تكفهر السماء من جديد. وتدلهم غيومها تارة أخرى.. تزخ مطرها زخا. هدير الرعد يمزق سكون الكائنات.
العواء.. العواء الذي لا يكف عن التوقف، يبدد غياهب الليل البهيم. لا يكاد ينقطع قليلا حتى يعود كرة أخرى، أقوى وأطول من سابقه.
الجنون يركبها. تعدو بسرعة رهيبة. تتجمع في مكان واحد. تغادر المدينة بعد أن تركتها شبه مهجورة. تنطلق كالسهام. تشق طريقها كالبرق، تسبقها مخالبها المشرعة كالسكاكين، وتتردد في أفواهها زمجرة شرسة.
العالم يضج بما يحدث. البعثات الدبلوماسية تغادر البلد.. الحكومة، الوزراء، أعضاء البرلمان، المراسلون. الكل يطلق ساقه للريح هربا من الطوفان الأسود. اللاجئون بالملايين على حدود دول الجوار. منظمات الإغاثة تعلن النفير العام...
الكلاب السود تحتل البلد من أقصاه إلى أقصاه. الشرق الأوسط في خطر. العالم في طريقه إلى النهاية. صراع الحضارات، ونزاع الإرادات. الخير والشر، بل الرحمن والشيطان. من يأتي بميكال ليقيد إبليس؟. دموع المفجوعين تسيل نهارا. تنادي :
_ يا مخلص.. يا منقذ. يا قائم. أدركنا..
العالم في حالة ترقب عما ستتمخض عنه الأحداث في الأيام القادمة..
يوسف هداي الشمري
............................
الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1343 السبت 13/03/2010)