لم أكمل قراءة الخبر ,
فقد كان السطر الأول منه كافياً للملمة كل ما في الدنيا من سعادة وفخر وغرسها في نفسي ,,
صرخت بعفوية : لقد فعلها الأبطال ,,,,
طرت عن المقعد حتى أحسست أن رأسي كاد يرتطم بسقف المكان ,
وبكل ما لدي من مهارات فنية , وبشكل زخرفي جميل قمت بقص الصفحة التي تحوي الخبر ,,
سأضع هذه القصاصة مع باقي أوراقي وأوراق عائلتي الثبوتيه , فهي لا تقل أهمية عن بطاقة الهوية وجواز السفر أو حتى بطاقة الأنروا , هذه القصاصة ستكون بداية تاريخ عربي وحدوي جديد , كل ما قرأته منها كان السطر الاول الذي يفيد بأن :
البنك المركزي العربي الواحد الموحد يعلن بدء التداول بالعملة العربية الموحدة ( العربوب ) ,,
كم كنت تواقاً لرؤية ذلك الوليد الجديد , كم كنت في شوق لنهاية ذلك الشهر ,
انقضى الشهر بعد طول انتظار ,, وقفت في صف طويل منتظراً دوري للتوقيع واستلام راتبي الشهري ,,
لم أشعر ابداً بممل الانتظار , فقد كنت أتجه بنظري إلى ( رأس الطابور ) مراقباً صاحب الدور , أشاركه ابتسامته التي ترتسم على وجهه وهو يعد ( عرابيبه ) بسعادة غامرة ,
اكتملت تلك السعادة بوصولي إلى الشباك ورؤية ( رزمات العرابيب ) .
تحول بصري إلى وجه الموظف حين قال بصوت خشن : ثلاثة آلاف عربوب , عليك التوقيع في هذه الخانة , قمت بوضع اسمي في المكان المحدد , وبلطف وابتسامة طلبت منه ان يعطيني راتبي من كل الفئات ( تشكيله ) .
على أنغام أغنية الحلم العربي , وعلى رائحة القهوة العربية , وبثوب عربي ( دشداشة ) جلست في بيتي , أضع امامي دفتر الموازنة الشهرية , تجلس إلى جانبي زوجتي ( مستشارتي الماليه )
حيث بدأنا عملنا بالنظر إلى فئات عملتنا الجديدة الجميلة وتفحصها ,
فئة الخمسين عربوب : كم هي جميلة وكبيرة , أظنها صممت بحجم كبير للتسع الى صور جميع أصحاب الجلالة والسيادة والسمو ,,
فئة العشرين عربوب : جميلة أيضا تزهو بالوان عديدة , حملت صوراً لبعض صناعاتنا العربيه الرائدة من ملابس داخلية قطنية فاخرة .
فئة العشرعرابيب : ورقة زرقاء زينت بصورلمقرات شركات أجنبية رائدة تعمل في بعض عواصمنا لمساعدتنا في مجال استخراج النفط والغاز الطبيعي ,,
فئة الخمسة عرابيب : ورقة حمراء ناعمة الوانها مريحة تحمل صورة لمقر جامعة الدول العربيه
لم ينس المصممون تراثنا وتاريخنا ومعالمنا فها هي فئة العربوب الواحد , ونصف العربوب تحمل صورا جميلة للمسجد الأقصى والأهرامات وحدائق بابل ,
بعد أن تعرفنا على عملتنا وفئاتها بدأنا فرحين بإعداد موازنتنا الشهرية ( بالعرابيب العربيه ) ,
بدأت أيام الشهر بالسير مسرعة , كل يوم ينقضي يأخذ معه بعضاً من فرحي , بنود الموازنة تتحطم ,,العرابيب تنساب من يدي كأنها دخان , يمر الشهر تلو الشهر, لم يعد الراتب الشهري
( بكل عرابيبه ) يكفي لمنتصف الشهر.
عمت الاحتجاجات كل مكان مطالبة بالتغيير أو على الأقل بالتفسير ,,
مسؤول هنا يقول أن العربوب قد انهار مع انهيار الاقتصاد العالمي ,,
ومسؤول هناك يرجع الأسباب لانخفاض أسعار النفط ,وعود من كل جانب تعد بدعم العربوب ,,
حلول من اقتصاديين بدعم العربوب بالأصفار , حتى غدا العربوب ألف عربوب , والألف عربوب لا تكفي لشراء رغيف خبز , فالقمح من أمريكا يدفع ثمنه بالدولار ,,
والأجهزة الكهربائية من اليابان يدفع ثمنها بالين الياباني , وحليب أطفالنا من أوروبا , يدفع ثمنه باليورو , مسكين ذلك العربوب الذي انهار قبل أن يرى ضوء النهار ,,
أصابني الحزن على ذلك الفقيد , حزن دفعني للبحث عن النتائج وعن الأسباب ,,
طرقت باب علم الاقتصاد , حاولت معرفة كل شيء عن المال وعن البنوك وعن العملات , عرفت للمرة الأولى أن النقد يجب أن يكون مربوطاً ,عرفت أن بعض العملات مربوطة بالذهب ,وبعضها الآخر مربوطة بما يسمى ( سلة العملات ) , وبعض العملات ترتبط بعملة أخرى ,,,
رجعت لقصاصة الورق المزخرفة لعلي أجد تفسيراً لما حدث ( لعربوبنا ) ,, فقد منعني فرحي آنذاك من إكمال قراءتها , قرأت الورقة بتركيز وتمعن فزالت حيرتي ,,
أدركت أن المربوط قد انهار بانهيار الرابط ,
حيث لم يربطوا ( العربوب ) بسلة عملات أو سبائك ذهبية , وإنما ربطوه بالكرامة العربية ,,,,,
( نهضت من نومي أحمد الله , فما كانت تلك الأحداث إلا أضغاث أحلام ) .

المراجع

pulpit.alwatanvoice.com

التصانيف

أدب   الآداب   قصة