هناك تغيراتٌ أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي في أجناس أدبية كانت عصيَّة على التغيير وهي على الوسيط الورقي الناقل للنص، أو حتى وهي على شاشة الحاسوب الثابت قبل أن تظهر الهواتف الذكية وتصبح سلعة شعبية متصلة بالإنترنت.
على صعيد الشعر برزت ظاهرة الصورة التي تقدح زناد القصيدة، سواء أكانت مفردة أم مركبة. ويمكنني إطلاق «قصيدة الصورة» (Poem image) عليها؛ نظراً لعدم وجود مصطلح دقيق دالّ عليها في النقد. ويكتب في هذا النمط الشاعر د.عبد الرحيم مراشدة، وسأعرض نماذج مما كتبه وفقاً لتوظيف الصورة شعراً:
الصورة المفردة
وتكون مشتملة على عنصر رئيس يتجلى في الصورة، قد يتلقاه المرء تلقيّاً عاديّاً، وقد يحمل مدلولات معينة في ذهنه إنْ كانت اللقطة إبداعية، لكنها تغدو أكثر عمقاً ومرمى حين تتظافر الكلمة مع الصورة. ومنها: شمعة عريضة وسط الظلام، ينهمر عن لهبها شمع سائل ينسدل تحتها. ومنها قوله:
أبداً ما بين الشمع وبين الدمع
تراوحُ حيرَتها الأيامُ المرتبكة
في جُبِّ العدم المنسيِّ، نهايَتها
مَنْ يدري، صار الجبُّ الشبكة
والحيوات الـ تمضي كي تمضي
في فلك قدري، تأخذها الحركة.
نلاحظ في النص السابق تجليات فلسفية تتطلب تفكيراً عميقاً على الرغم من عدم صعوبة اللغة معجميّاً، وهو ما يستدعي التمعن في علاقتين جوهريتين، ما بين الدمع والشمع، من جهة أولى، وما بين «الجُبّ» وقدره، من جهة أخرى. وهما يسيران في حركة لا سبيل إلى إيقافها، ولا يملك الإنسان تجاه ما يحدث سوى الحيرة -التي جعلها للأيام، لكنها في الحقيقة حيرة الإنسان إثر تغيُّر الأيام، وعدم معرفة المصير الذي سيؤول إليه من جراء تغيرها المستمر- مما يعطي الكلمة القائمة على الصورة عمقاً بحيث لا سبيل إلى تنحيتها جانباً عند تشكيل خطاب نقدي مؤسَّس عليها.
الصورة المركبة
وهي الصورة غير المكتفية بنفسها، فتكون إلى جانبها صور أخرى تؤازرها. ومنها: صورة لفنجان قهوة تركية داخل غرفة مكتبته المنزلية، وصورة شخصية له وهو يجلس مستغرقاً في التفكير، وصورة الليل بألوان مصطنعة لكنها زاهية بحيث لا تبعث الوحشة والرعب:
الليلةُ والكلمةُ ورائحةُ البنِّ المحروق
والبحرُ وكومةُ أوراق الفكرة حين تروق
في رأسي تتكاتف غيماتُ رعدٍ وبروق
مَنْ قال بأن الليلَ وسائدُ نومٍ نتوسَّدُها
الليلُ مرايا، وشواطئُ للحرف المعشوق.
لقد اكتسب الليل معنى آخر يختص بالشاعر وحده؛ لكونه محرِّضاً على الكتابة، ولكون ما يساعد عليها، ومن متطلباتها هو فنجان القهوة الذي تفوح رائحته الذكية. وهنا، تصير الذات مركز الفكر والعاطفة والإبداع؛ لتكون القصيدة نتاج هذه الصور الثلاث. وهذا لا يعني أن القصيدة كتبها الشاعرُ ليلاً؛ فقد يكتبها في أيِّ وقت، لكن المقصود أن الصور ليست سوى محركة لفكرة القصيدة، وأن عناصرها تظهر في القصيدة ظهوراً بارزاً، وليس هامشيّاً بمعنى التزيين.
الصورة الشخصية
وهي التي تشتمل على وجود الشاعر فيها وجوداً محوريّاً، فيعبِّر فيها عن رؤيته الذاتية لقضية معينة، أو عن مشاعره الإيجابية كالاستبشار ببزوغ الفجر، وإطلالة الربيع، أو عن مشاعره السلبية كحمل الهموم والآلام، أو عن تأملاته وحيرته. ومما كتب مراشدة عن صورته وهو يفتح كتاباً ليقرأه في مكتبته الشخصية:
النصُّ مرايا، وبكل الأشكال
وزوايا الرؤية فيها مختلفات
ماذا لو لم يُخلَق فينا الحرف
أترى ما شكل الكون لساعتها؟!
ما شكل الشكل لنا بغير سمات؟!
يطرح الشاعر في هذا النص علاقة الفكر بالشخصية؛ فالفكر تصقله القراءة حتى يعكس لنا الشخصية الواعية المتبصرة. وما لم تكن القراءة مسهمة في تشكيل هذا الفكر، فإن ملامح الشخصية ستغدو معدومة؛ إذ يتميز كل شخص عن سواه بما يدخل إلى فكره، وبما ينتج عنه من فكر معاً.
الصورة الرمز
تأخذ القصيدة هنا منحى مختلفاً عمَّـا سبق؛ إذ يضع الشاعر صورة يُسلَّط الضوء فيها على المعنى الجمعي المخزون في الذاكرة عن المحتوى. وعلى ضوء ذلك، تُبنى لغة النص على نسبة عالية من الانحراف اللغوي؛ ليحث القارئ على ممارسة أقصى ما يستطيع من إعمال الذهن حتى يمسك بخيوط النص. ومما كتبه مراشدة في هذا السياق:
مرَّت غيمات الليل الآن
جرحتها أسلاكُ العتمة
سالت عيناها بالأحزان
ما هذي الدنيا الغجرية؟!
لا شيء بها إلاَّ الغثيان.
فالأسلاك الشائكة ترمز إلى فقدان القدرة على تغيير ما يجري في الخارج من أمور تعكر صفو الحال. أما غيمات الليل فترمز للشاعر الوحيد الحزين الذي يحمل الخير ممثلاً بمخزون الغيمة من الماء أو بمعنى ثانٍ: الكلمات التي تتشكل منها القصيدة. ولكن هذه الأسلاك الشائكة جرحتها فأمطرت/ نزفت، ومصدر ذلك هو العين، مما يجعل الشعر تعبيراً عن الحزن. وهذا ما يسمح للشاعر أن يبث شكواه من تقلب الدنيا التي وصفها بالغجرية، نافياً أن تتضمن شيئاً سوى ما يجلب الغثيان إليه.
تشتمل الصورة على قطرة ماء تؤكد أنها متفردة، ولوقوعها على الرأس المدبَّب للسلك الشائك، ينصرف الذهن إلى أنها آخر ما علق من المطر بها، لكن الشاعر ينصرف عن هذا المعنى الساذج ليجعله نتاج جرح الغيمة. ماذا يقصد إذن بهذه القطرة؟ لعلها القصيدة، أو لعلها الشاعر؛ إذ حين يكون الشعر بهذه الصورة تتضاءل الفوارق بينهما؛ ليكون الشعر هو حياة الشاعر، وليكون الشاعر فاقداً للحياة حين يفقد الشعر.
الصورة المفبركة
ليست الصورة في هذه القصيدة نقلاً أميناً عن الواقع، فقد جرى التلاعب فيها بطرائق مختلفة، ومنها: إضافة عنصر يؤدي معنى يتصل اتصالاً جوهريّاً، بما يقود إلى الحركة التالية. ومنها: صورة غيمة بيضاء، تخترقها إبرة، غير أن المطر لا يتساقط منها، وهو ما يعطي المعنى قيمة أكثر عمقاً، خاصة إذا التقطتها عين الشاعر، وفي هذه الصورة يقول:
مَنْ قال بأن الغيمة من مطر تترحل في الأفق الأزرق
الغيمةُ قلبي الـ يسبح في ملكوت الكون البات لنا يتألق
وأنامل قلبي تنسل خيطاً كي ترتق ما في الروح تفتَّق
ما بين الإبرة والغيمة شهقة أعراقي بماء الأحرف تبرق.
فالغيمة صارت هي الذات التي تتخلى عن فيزيائيتها؛ لتكون روحاً تهيم في الكون، والإبرة تتحرك وفق إرادة القلب كي تنسج القصيدة من شهقات عروق الجسد. إن ما تلتقطه عين الشاعر من صور، يغاير كليّاً ما تلتقطه عيوننا؛ إذ تحرك اللقطات الإبداعية التي قام المصوِّر أو محرِّر الصورة، إبداعاً آخر يقوم على الكلمة.
وتشير صفحات القصائد إلى أن الشاعر قد نشرها عبر هاتفه المحمول، ومعنى ذلك أن الاتصال بالإنترنت، والتمكن من العثور على صورة قد أدى إلى تسريع الوصول إلى اللحظة الصفر التي يشرع فيها بكتابة القصيدة ثم نشرها عند الانتهاء من كتابتها مباشرة. وهذا ما يؤكد أن إنتاج النص لم يعد يمر عبر القلم والورقة، ثم يُكتب طباعة ليُبث للقارئ، وأن الباعث على هذا الإنتاج لم يعد مقصوراً على ما يحدث في حياة الشاعر واقعيّاً، بل عمَّـا يستثيره من صور تتلاقى مع ما يختمر في داخله من أفكار ورؤى ومشاعر.
هذا النمط من الكتابة الذي نجده لدى الشاعر د.عبدالرحيم مراشدة، يؤكد أن الشاعر ليس وصَّـافاً، ولكن التكنولوجيا الذكية دفعته إلى تسخير ملكاته الإبداعية في إنتاج نصوص مغايرة للسائد والمألوف، وتحتاج إلى خطاب نقدي بؤسس عليها؛ ليواكب حركة الإبداع النشطة على مواقع التواصل الاجتماعي.
المراجع
alrai.com
التصانيف
شعر أدب قصائد شعراء