مروان قدري مكانسي
mrwankdri@hotmail.com
بدأ
سواد الليل يغطي أرجاء السفح الأخضر ، فغادرت الأسرة المكان فبل أن تتوه في غياهب
الظلمة الحالكة ، وخلَّفتْ وراءها جذوة من نار، كانت قد أعدَّتْها للشواء، ونسيتْ
أنْ تطأها بأقدامها لتنطفئ، أو تريق عليها فضلة ماء تخمد أنفاسها .
خرجت الحرباء من جحرها وهي تتلمظ، وأخذت تلوك لسانها مرة وترسله أخرى ، واقتربت من
الجذوة وقد سال لعابها، علها تجد عندها فتاتاً من شواء تسدُّ به رمقها، وتُسكتُ
أنين جوعها ، فحرَّكَ الهواءُ لسانَ النار، فأصابها من شواظه، فخشيتْ على نفسها
الاحتراق ، فوقفتْ بعيدةً، وقادها ذكاؤها الحاذق إلى أن تقف مكانها، وتتقمَّص
شخصيَّة الخطيب الفذِّ ، فتمتدح الشعلة ، وتُسهِبَ في النسيب وتطنب ، وتخلع عليها
من صفات العظماء، فلربما أشفقتْ عليها ورقَّتْ، ورمتْ لها بمضغة طعام تقتاتُ بها
حتى الصباح ، فتنحنحتْ وقالت :
أيها القبس المضيء، ما أعظم نورك، وما أروع طلعتك !
أيها الكوكبُ المنير، ما أبهى وجهك، وما أذكى وجنتيك !
أيها القمر المشع، ما أدفأ بريقك، وما ألطف محياك !
أيتها الشمس المشرقة، ما أشدَّ لهيبك، وما أكبر هيبتك !
أنتِ أيتها الجذوة، نارٌ ونورٌ، جحيمٌ و نعيمٌ ، ترهيبٌ وترغيبٌ، نذيرٌ و بشيرٌ، لو رأتكِ الشمس في سمائها لأفلتْ، ولو نظرتْ إليك النجوم لغارتْ ، ولو لمحك
البدر لاختفى، ..
وكلما لعب الهواء ببقايا الجذوة فحرَّكها ، ظنت الحرباء أن سيدتها قد طربتْ من
حديثها، فازدادت تملقاً ونفاقاً، وظلتْ على هذه الحالة حتى أصبحتْ ، ولم تشعر إلا
وقطيع من البهائم يمرُّ في ذاك المكان، فيدوس حافر أحدها على بقايا الرماد فيجعله
أثراً بعد عين ..
