يوسف حامد أبو صعيليك
yousef.h1969@hotmail.com
الجدار تبدو عليه علامات الغربة هذا اليوم، لم يعرف يوسف لم بدا الحائط هكذا اليوم
؛ رغم الصداقة القائمة بينهما ؛ والود الذي تدل عليه صور منتقاة بعناية لفعاليات من
الانتفاضة أخذت من الصحف العالمية ، أو المجلات ، بالإضافة لمنشورات " حماس " ،
ولجان الانتفاضة .
بدأ يتمتم بصوت مسموع :
سراعاً إلى القدس عند النفير فإن الخلود إليها قصير
قطع ترنمه وتساءل :
-يا
إلهي ، لم يبدو الجو اليوم غريباً هكذا ؟.
دخلت أمه إلى الغرفة ، كانت تريد إيقاظه ، ضحكت عندما وجدته قد استيقظ قبل مجيئها
.
-صباح
الخير يا أحلى أم في الوجود .
قالها وهو يداعب جبينها بقبلة .
قالت :
-أفهم
من هذا الكلام ، أن لك أمهات أخريات غيري ؟.
-الأرض
،… فلسطين ، يامتممة هذا الثنائي المقدس .
قالها وهو يلف ذراعه حول عنقها .
ضحكت وهي تقول :
-ألن
تكف عن تملقي يا ولد ؟.
-حتى
الموت يا وردتي الجميلة.
-بعيد
الشر عنك .
خرجت من الغرفة ، فتبعها يوسف إلى حيث أعدت الفطور، قالت وهي تضع صحن الزيتون إلى
جانب طبق الزيت ، وكأسي الشاي ، وألقت إلى جانبهما رغيفين من الخبز .
-
ما سبب تغيبك عن عملك اليوم ؟.
ألقى بنفسه فوق الفراش وقال :
-
اشتقت للأقصى .
نظرت إليه بدهشة وقالت :
-
أتغيبت عن عملك من أجل أن ترى الأقصى فقط ، وقد أديت فيه صلاة الجمعة منذ يومين
فقط ؟!.
قال وقد اقتطع قسماً من رغيف الخبز :
-
يشدني إليه منذ أن فارقته حنين عجيب، لا أستطيع مقاومته .
وضع لقمة الخبز المغمسة بالزيت في فمه، قالت وهي تناوله كأس الشاي :
-
رعاك الله يا ولدي ، اللهم اجعله خيراً.
أنهى تناول فطور ه ثم خرج مسرعاً بدون أن يحدد وجهته ، قادته قدماه إلى دكان " أبو
حسني " ، كان هناك جمع من الرجال يلتفون أمام باب الدكان، أدرك أنه حديث سياسي
شديد السخونة، بسبب ارتفاع صراخ أبي حسني ، وتشابكه مع صوت عزام ، وتميز صوتيهما
من بين أصوات الجميع .
قال أبو حسني :
-
…… يا جماعة ؛ تفائلوا بالخير
تجدوه في هذا الاثنين الخيّر، قادة العرب الآن مجتمعون في بغداد ، وبعد التهديد
الذي وجهه صدام حسين لإسرائيل لا بد أن الموقف الآن سيتغير لصالح العرب والمسلمين،
وقمة بغداد هذه المرة خطيرة الشأن ليست كسابقاتها من القمم ، لنجعل التفاؤل قائداً
في هذا اليوم المبارك .
قالها موجهاً نظراته المتحفزة إلى يوسف، قال يوسف وقد أدرك بغية أبي حسني :
-
ما هذا يا أبا حسني، كأنك لم تعرف بعد شيئاً عن دنيا العرب.
قال أبو حسني وهو يطيح برماد سيجارته بطرف سبابته :
-
عارف ، عارف ، ولكن الموقف الآن قد تغير بعد خروج العراق من حربه مع إيران منتصراً
.
قال يوسف بصوت مرتفع :
-
لم يتغير شيء يا أبا حسني ، الثابت الوحيد منذ خمسين سنة هو الدم المسفوك أمام
الأقصى .
-
هناك صحوة يا يوسف ،…… هناك صحوة .
قال أبو حسني .
ضحك يوسف وقال :
-
ما هي علاماتها ؟.
قال أبو حسني بلهجة المنتصر :
-
تهديد صدام ، ، عنوان قمة بغداد .
قال يوسف :
-
ألم تشبع من العناوين المغموسة بدم الأبرياء ؟ ،…… المغموسة بزيت الخداع ؟.
قال أبو حسني :
-
وماذا فعلنا نحن سوى الانسياق خلف هذه العناوين والشعارات ؟.
رد يوسف بروح المنتصر :
-
لكننا صحونا من سكرتها ، وها أنت ترى بأم عينك ما هي النتيجة … الانتفاضة .
-
وكرر كلمة الانتفاضة أكثر من مرة مشددا على حروفها .
-
أنا معك في هذا ،… ولكنها نفس الطريق … طريق الآلام .
قال أبو حسني وهو يشعل سيجارة جديدة ، تزامن مع سعاله الشديد .
قال عزام :
-
لا بد لهذا الطريق من نهاية ، ونحن سائرون حتى نهايتها ، أليس هذا
أفضل من القعود ، والركون لأنغام الشعارات ؟.
قال أبو حسني :
-
وأبناؤنا الذين ضاعت أعمارهم حياتهم سدى بلا فائدة ؟.
انتفض يوسف صارخاً :
-
هذا الذي أضاع أمتنا ، الخوف
على حياتنا وحياة أبنائنا ، ما هي حياتنا ؟ …… عذابات … وصلاة تحت حراب يهود ؟.
وقام يوسف من المجلس غاضباّ ، وتبعه عزام ، جعل يوسف يركل الحجارة في طريقه بعصبية
، قال عزام :
-
لم أرك بمثل هذه العصبية من قبل ؟.
جال يوسف بنظره في زقاق القدس ، وبقي صامتاً.
-
لم تجب عن سؤالي ؟.
-
الأقصى في بالي .
قالها بتوتر وضيق
.
-
هل يدعو هذا للتوتر ؟.
-
قال عزام .
-
قال يوسف :
-
لا …… ولكن مرارة الواقع جعلتني تجعلني أكاد أنفجر ، وزاد أبو حسني من نسبة ذلك
الضيق في صدري .
-
لست وحدك من يشعر بالمرارة .
-
أعرف ، ولكن صورة الأقصى التي لا تفارقني منذ فترة تجعلني أتميز مرارة.
-
بغداد ستلبي نداءه قريباً .
-
قال عزام .
-
قال يوسف :
-
لن يلبي نداءه الآن ، ولن يذهب غيظي ، سوى شيء واحد هو الدم .
-
رد عزام :
-
وهل جف الدم يوماً أمام ساحاته ؟.
-
ظل يوسف صامتاً ولم يجبه ، أخذ يجيل بصره في الجدر من حوله ، قطع عزام الصمت بقوله
:
-
هل ستذهب إلى الأقصى؟.
-
ربما أطفئ نار شوقي إليه .
-
استدرك عزام :
-
الأجواء اليوم مشتعلة حول الأقصى ، المستوطنون يتطاير الشرر من أعينهم.
-
قال يوسف :
-
وهل سبق وأن بدت في أعينهم سيما الوداعة ؟!.
-
الجو اليوم متكهرب ومتوتر ، أشك بنية المستوطنين .
-
ما الذي سيفعلونه أكثر مما فعلوا ؟.
ترك عزام وعرج في طريقه نحو الأقصى تلونت جدران حارات القدس في عينيه باللون
الأخضر ، الرائحة التي طرقت أنفه رائحة محببة ، ردد في نفسه :
-
أي رائحة تلك الطيبة ؟، من أي جنان أقبلت ؟،……… أي عبق هذأ ؟.
طوال الطريق إلى الأقصى ، لم تفارقه تلك الرائحة ، ولم يغب عن عينيه اللون
الأخضر الذي أصبح يكسو الجدران ودور القدس العتيقة .
عندما اقتربت خطواته من الأقصى ازدادت الرائحة كثافة ، وازداد اللون الأخضر تألقاً
.
كان المستوطنون يشكلون تجمعات ، بدو وكأنهم يريدون فرض حصار حول الأقصى ، وانتشرت
السيارات العسكرية في المكان بكثافة ليست عادية.
مر بجانب إحدى السيارات ، وجعل يتمتم :
رعاع ، ذئاب ، ……… كم هم مخادعون ، فالجنود سينضمون للمستوطنين لا محالة ساعة
الصفر .
عندما هم بالدخول إلى المسجد ، كان صوت ما يناديه للتجول في ساحة الأقصى ويمنعه
من الدخول .
إيه ما أقسى الانتظار ، أين أنت يا صلاح الدين ، لن يجدي الانتظار .
عادت كلمات عزام في حواره مع أبي حسني ترن في أذنيه
:
- عندما يقتل جنود الاحتلال مواطناً ، سيكتفي المجتمعون في بغداد بإصدار بيان شجب ؛
هذا ما سيحدث يا أبا حسني ، خذ مني؛ لن يرسلوا لك جيشاً عرمرماً للثأر لهذا القتيل
؛ لهذه الدماء ، أنت تعرف هذا ، لكنك تتمسك بالأحلام .
دخل المسجد وانضم للجماعة المصلية. وما أن بدأ في الصلاة حتى انطلقت بدأت أصوات
العيارات النارية تعلو ثم ارتفعت الصيحات من أفواه المصلين ، قطع صلاته مثلما
الآخرين واندفع خارج المسجد ليرى ما يحدث ، كانت ساحة الأقصى قد تحولت إلى ساحة
معركة ، وضجيج الطلقات النارية يصم الأذان .
تناول حجراً وأسرع للانضمام للمدافعين ، كانت رائحة أحقاد المستوطنين تنتشر مع كل
رصاصة تخرج من رشاشاتهم ، تعلو صيحاتهم بجنون وعطش بادٍ .
صرخ يوسف وهو يلقي حجراً :
-
انظروا أيها المجتمعون ، لماذا تجرأت علينا هذه القطعان ؟.
تناول حجراً آخر ورمى به أحد المستوطنين ، فشج جبهته ، لحق به أحد الجنود
محاولاً الإمساك به .
-
لن تسمعوا صوته أيها المجتمعون ، أعرف ذلك .
تضاعفت العيارات النارية واختلطت أصواتها بصرخات الاحتجاج ، وأصوات الغاضبين ، ……
والألم .
اشتد في إلقاء الحجارة نحو جنود الاحتلال ، وتكاثفت العيارات النارية وغطت المكان
أعمدة الدخان والغازات ، أخذت الإصابات تتكاثر في صفوف المدافعين ، …… والشهداء .
غمس يده في بحيرة من الدم ، ورفعها أمام عينيه ، وصرخ:
- ألم أقل لكم أنه الثابت الوحيد.
حمل صخرة كبيرة ، وألقى بها في منتصف الطريق ليعيق تحركهم ، لحق به ثلاثة جنود ،
استدار نحوهم ، ورماهم بحجر كان قد التقطه أثناء عدوه ، وتابع طريقه هارباً ، انتشر
اللون الأخضر في كل الساحات ،……… وتباطأت سرعة يوسف ، حاول زيادة سرعته ، لكن ………
شيئاً ما …… اخترق عنقه ، وأوقف حركته ، …… ثم أسقطه على وجهه .
رفع رأسه ، ونظر إلى الشارع الممتد أمامه ، ما زال الشارع يتوشح بالاخضرار ، بدأ
سائل أحمر يخفي اخضرار الشارع أمام عينيه ، ما زال السائل ساخناً …… لزجاً .
ابتسم برضى ، ثم ألقى برأسه على الأرض
