يوسف حامد أبو صعيليك
yousef.h1969@hotmail.com
كلنا يعلم أنه يتصنع الشغف بالرياضة هروباً من العالم المحيط به، فهو منذ صباه لا
يكترث بالرياضة عموماً ، وينفر من كرة القدم بشكل خاص، ويعدها من الترف غير
المحمود لا مبرر له، سوى أنه منذ أكثر من سنة صار ملازماً لجهاز التلفزيون كلما
كانت فترة البث رياضية، بل وصار يلاحق كل مباراة لكرة القدم يبثها التلفزيون حتى
وإن بثت بعد منتصف الليل، كان يجلس أمام الجهاز دون حراك ، والمثير هنا أنه لم
ينفعل قط مع مباراة، أو أي لحظات مثيرة تتخلل المباريات مثلنا ، وهذا ما كان يثير
الكثيرين من أصدقائنا، هو، وأنا، بل يسيطر عليه بدلاً من ذلك شرود، ووجوم وحزن
عميق لا يفارقه حتى بعد انتهاء المباراة بفترة، وإن حدث وكلمته عن مباراة ما، أو
موقف فريق ما فلا يتكلم إلا متلعثماً، أو معتذراً، ولهذا كان عرضة للمز من قبل
أصدقائنا، لجهله في هذا المجال. وكثيراً ما كان يراقبنا بصمته دون أن يكترث لما
يدور حوله من حديث .
ضحك صديق لنا ذات مباراة ؛ وهو يغمز معرضاً به ، وهو يحدق في التلفزيون لائذاً
بالصمت :
-
انظروا إلى وجهه يا
جماعة ، لكأنما يتابع سير جنازة .
لم يتم صديقنا جملته حتى تقافزنا صارخين ، عندما لاحت على الشاشة فرصة لتسجيل هدف
لصالح الفريق الذي نشجعه باءت بالإخفاق .
لم يحرك الجبل – وهو الاسم الذي أطلقناه على صاحبنا نظراً لعدم تزحزحه من مكانه
أثناء المباراة - ساكناً ، ولم تتبدل ملامح وجهه كعادته .
عاد صديقنا للصراخ في وجهه بحنق :
-
أتمثال أنت ؟، فرصة
رائعة مثل هذه تضيعها بصمتك ؟.
التفت إليه الجبل وقال ببرود :
-
وعلام هذا الهرج ! ،
فرصة لاحت ثم ضاعت ؛ ومثلها الكثير سيضيع .
قال صاحبنا وقد ازداد غيظاً :
-
ولماذا تتابع
المباريات إذاً إذا لم يكن فيها ما يثيرك ؟!.
عاد الجبل للتحديق في الشاشة دون أن يجيب على سؤال صاحبنا .
قلت وأنا أتابع ركلة جزاء حركت الجمهور بضياعها دون فائدة :
-
هذه طريقته الخاصة في
الهروب .
قال الحانق :
-
مم؟.
أجبته :
-
من كل شيء ، من كروب
الحياة .
تدخل صديقنا الرابع قائلاً:
_ نعم، إن الحياة مملة برتابتها ، و هذا هروب أنا أؤيده ، لأنه هروب إلى عالم
الجمال و الحركة بعيداً عن الملل، عالم كرة القدم .
التفت إليه الجبل ، و قد زحزحته كلمات صديقنا عن صمته مرة أخرى و قال :
-
هي حياة مصغرة نعم ،
و لكن ليس فيها لمحة من الجمال سوى رشاقة المحاربين الجدد في جريهم اللاهث وراء
الكرة ،…. أليست هذه سيطرة رغبة النزاع و القتال على هذا المخلوق البائس ؟.
-
ليس هذا ما يهمنا ،
المهم في الأمر أن نحصل على المتعة بعيداً عن فلسفتك.
قال صديقنا الرابع.
قال الجبل :
-
طريقة الرومان في
الحصول على المتعة بأسلوب عصري ، الطريقة البدائية كان العبيد و الحيوانات ضحاياها
بهمجية مغطاة بالدماء، أما الطريقة العصرية فهي تعبير لائق عن هذه الرغبة ، بلا
خسائر و لا دماء .
-
لا تحاول إنكار أن
هذه النزعة تسيطر عليك ايضاَ و إلا لما كنت هنا .
-
هذه محاولة لجري إلى
مالا أود الإفصاح عنه .
-
ما تبحث عنه هو الحزن
، و الدليل على هذا تقاسيم وجهك .
قال الجبل مكايداً :
-
لن تحصل مني على كلمة
واحدة ، و مت بغيظك .
كنت أقربهم إليه ، و أكثرهم معرفة بدخيلة نفسه ، و لذلك لم اكن اصطدم به في هذه
المواقف ، غير أني لم أكن راضياً عن أسلوبه في حرق نفسه بهذه الطريقة ، …. نعم هو
يفر إلي الصمت ليتعذب ، قالها لي ذات يوم :
-
لقد صرت أجد المتعة
في تعذيب نفسي ، أن الصمت يجعلني أحترق ببطء ، و يزداد احتراقي أثناء المباراة ، و
أن كان فيها بعض العزاء لي ، لأني أرى الكل أثناءها يعاني و يتلف أعصابه ، اللاعبون
و الجمهور و حتى المدرب ، ليس مقصدي متعة اللعب باحتراق الجميع ، و لكنني أراهم
يعوضون احتراقهم بتحقيق النصر عليه بمحاولة كل فريق و جمهوره تحقيق النصر على الخصم
أما أنا فأراني بلا تعويض لاحتراقي الدائم ،و هنا بيت القصيد ، فأنا أهرب لأرى
مأساة أخرى ، و هي في نظري مأساة أتلذذ بالنظر إليها ليس متعة وإنما انتقاماً من
نفسي ، أنا يا صديقي " كالسيجارة " أحترق ببطء دون توقف ، و خروجي من صمتي يضيع علي
متعتي في ممارسة القسوة على نفسي ، فوجودي في عالم لا يعترف بالإنسان محض عذاب ، و
الهروب إلى المباراة عذاب أخف.
انتهت المباراة بفوز الفريق الذي نشجعه ، فاحتفلنا بالنصر على طريقتنا و أخذنا نوزع
المشروب المبرد ،و عندما تقدمت من صديقي الجبل لأقدم له كأسه نظر إلي و هو شبه شارد
بمرارة واضحة و تناول الكأس من يدي .
