أمطار الشتاء تهطل، والبرد ينتشر في زوايا البيت وأطراف الجسد، ونورٌ ذهبيّ يتلألأ فوق شمعتين على طاولةٍ صغيرة، فيركض الأطفال السّبعة خلف الظّلّ ولا يشعرون بغير الفرح..
تطوي الأم نسرين أبوكميل- 42 عاماً- نفسها، وتَلبِد تحت لحاف الفرو لتستمدّ شيئاً من الدفء، بعد أن أثلَجت المياه يديها اللتين انتهتا من تنظيف أطباق الطعام قبل برهة.. تبدأ الحرارة تتسلّل لجسدِها بصمت، فتغمض عينيها شيئاً فشيئاً، وقبل أن تغطّ في نومٍ عميق، يقتحم أطفالُها الغرفة مستغلين غفلتها ويسحبون غطاءها الدّافئ، ثم يهربون فتختلط ضحكاتهم بصوت المطر، وترفرف أعالي سماء «تل الهوَى».. هناك، حيث مدينة غزّة..
تلحقُهم وقد جنّ جنونُها.. فيلتفّون حولها ويفاجئونها بحضنٍ كبير، تحاول أن تخفي ضحكتها فيفضحها حبُّها، وتعانقهم، ثم تنطلق للّعب معهم.
مذكّراتٌ من الحبّ تروي تفاصيلَها الطفلة أميرة أبوكميل- 12 عاماً- بعد عامٍ من أسر جنود الاحتلال «الإسرائيليّ» لأمّها، بتهمة مزيّفة وهي التعاون مع المقاومة الفلسطينية في تصوير مدينة حيفا المُحتلة.
اللقاء المجهول
أميرة والصغار الستّة، ينتظرون محاكمة أمّهم بعد ما يقارب الشهر والنصف من اليوم، ويرسمون لوحةً حيّةً لاستقبالِها، ويجهزون الورد والهدايا، ويرتبون مراسم اللقاء بدقّة، لكن عقولهم الصغيرة لم تستوعب بعد أن حكم محاكم الاحتلال لا يبرئ أحداً، وقد يصل لسنواتٍ من السجن، حتى وإن كانت التهمة مزيّفة.
تقول أميرة التي كانت ترتدي مريول مدرسة «الأونروا» المخطّط وحقيبة كتبها في انتظار موعد الذهاب لمدرسة «بنات الرّمال ج»: «رتّبتُ البيت منذ الصباح وأعددتُ الإفطار وجهزتُ جميع إخوتي للمدرسة، كما كانت تفعل أمي دائماً، حتى ترضى عني».
توشّحت أميرة بالحجاب الأبيض أمام الغرباء، بعد أن وصلتها رسالةٌ من أمها تطلب منها ذلك، لتأخذ من اسمها نصيباً كبيراً، ثم تذهب لمدرستِها واثقة الخطى، لكنها تأسف أن درجاتها في المدرسة تراجعت بعد اعتقال والدتها، تعبر: «لم تكن أمي تطلب مني أن أقوم بأي عمل خلال فترة الاختبارات المدرسية، فكان كل وقتي للدراسة والمذاكرة، لكني اليوم لا أملك إلا وقتاً قليلاً للدراسة، فأعمال البيت لا تنتهي ومسؤولية الاهتمام بإخوتي الصغار وتدريسهم مسؤولية كبيرة وصعبة».
ليالي الشتاء
وتضيف: «أجمل الأيام مع أمي كانت في ليالي الشتاء حين كنا نسهر سوياً ونشرب الشاي بالميرامية مع (القرشلة)، وحين كانت تصنع لنا الفطائر المحشوة بالسبانخ.. ماما كانت تحكي لنا القصص وهي ترضع أخي الصغير، وتُحسّس على شعر أختي الصغرى، لكن الاحتلال (الإسرائيلي) اللعين خطفها منا، وما عدنا نشم رائحة فطائر السبانخ ولا عاد هناك طعم للشاي، بينما أخي الأصغر فُطِم بعد اعتقالِها حتى دخل المشفى».
ختمت أميرة حديثها وابتسامةٌ توشّح ملامحها الهادئة، لكن حشرجة صوتِها تبوح بحزنٍ كبير ودمعةٍ حارّة دائماً ما كانت تخفيها حتى لا تؤثر على مشاعر إخوتها الصغار، تقول لـ الوطن: «ماما مكانتش تحب تشوفنا نبكي، عشان هيك مش حأبكي».
ذلك العام وما تلاه مرّ أليماً على كل فردٍ في تلك العائلة، فأصغرها كان طفلاً لم يتجاوز الثمانية شهور، وأكبرها شبلاً في عمر الثالثة عشرة واسمُه فراس.
روح البيت
يقول أبوفراس لـ الوطن وقد اتّخذ من إحدى البسطات وسيلةً للرزق يبيع عليها أصابع الحلوى والشوكولاتة وبعض الاكسسوارات: «أم فراس هي كلّ شيء في حياتِنا، هي نَفَس البيت وروحُه، كانت تؤنسني حين تأتي إليّ بعد قضاء بعض المشاوير القريبة، تقف لجانبي وتحدثني وتشاركني البيع والضحكات»، ويستدرك: «لكنها غابت وصارت في سجون الظلم والاحتلال الإسرائيليّ، لم يعد للحياة طعم بدونِها».
ويضيف: «كل زاويةٍ في البيت تذكرنا بها، فوضعنا لها صورة فوق أخرى، لكن الهمّ الأكبر في الإجابة حين يسألني أطفالي: وقتيش حتيجي ماما؟ طوّلت كتير». وكانت الأم أبوكميل المُهجرة عائلتها من مدينة الرّملة عام 1948 قد سافرت لمدينة حيفا المُحتلّة لزيارة أهلها الذين يقطنون هناك، وذلك عبر معبر بيت حانون، المسمى «إيريز»، وكانت برفقة صغيرتها ابنة الأربع سنوات، وهناك راحت تلتقط الصور التذكارية لابنتها كعادة كل المسافرين، ومن ثم تمّ اعتقالها من قبل الاحتلال «الإسرائيلي» بتهمة غير مبررة وهي التصوير للمقاومة، لتقبع في سجون الاحتلال منتظرةً الحكم.
المراجع
al-watan.com
التصانيف
أدب مجتمع قصة