1- بلادي وإن جارت علي عزيزة
في بيت من صفيح لا تتجاوز مساحته عشرة أمتار مربع، أثاثه صندوق يحوي بعض لوازم أساسية، فوقه تلفازٌ أبيض وأسود صغير الحجم، مِن الجهة الأخرى موقد صغيرٌ على طاولة مهترئة، تعلوها طبقة سميكة من المرَق المتراكم والزيوت المحترقة، وصراصير تعوَّدت الخروج في وضَحِ النهار، مطمئنَّةً على حياتها، آمنة على مستقبلِها مع صاحب البيت.
الحرارة تجاوزت الأربعين درجة، يستلقي صابر على فراشه المُلقى على الأرض، يتابع على التلفاز احتفالات العيد الوطني لبلاده، وتدخل أحد الساسة الوطنيين ملقيًا خطابًا حماسيًّا اقشعرَّ له بدنُ صابر، واغرورقت عيناه دمعًا، لا سيما عند قراءته هذا البيت مختتمًا تدخله:
بلادِي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ 
ولو أنني أعرى بها وأجوعُ 
|
2- الواحد القهار
♦ الشاعر للملك:
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ 
فاحكُمْ فأنت الواحدُ القهارُ 
|
• الملك للشاعر: صدَقْتَ يا شحرور البلاط، بورك في لسانك.
ثمَّ يلتفت إلى مستشاره الخاص:
• أريد هذا البيت مكتوبًا بماء الذهب، معلقًا على جميع أستار المدارس والجامعات وجميع مؤسسات الدولة، محفوظًا في صدوركم، ترتِّلونه في الصباح عند بداية العملِ، وفي المساء عند انتهائِه، أما أنت أيها الشاعر، لك جميل ما جُدتَ به، اقطعوا لسانَه؛ لئلا يقول بيتًا أجملَ من هذا لغيري.
3- بخطى ثابتة نحو القبر
• الطبيب: كانت آخر زيارة لك عندي منذ سنتين؟
♦ المريض: هو كذلك سيدي الطبيب.
• الطبيب: طلَبْتُ منك أن تتوقفَ نهائيًّا عن التدخين.
♦ المريض: هو كذلك سيدي الطبيب.
• الطبيب: لِمَ لَمْ تتوقَّفْ عن التدخين؟
♦ المريض بصوت الواثق من نفسه وابتسامة تعلو شفتيه: لم أستطِعْ ذلك سيدي، ثمَّ إنني أجدُ متعة عندما أرتشف سيجارة، فهي تُهدِّئ أعصابي، وتُثير بداخلي مشاعرَ حبِّ الحياة، وتحمِلُني بعيدًا مع خيالي إلى آفاقٍ واسعة.
• الطبيب: لقد ظهَرَت بِرِئَتَيْكَ أعراضُ مرض السرطان.
♦ المريض: كنت متأكدًا أنَّ هذه السيجارةَ ستقضي على حياتي، ستحملني إلى قبري، كم حاوَلْتُ إقناع نفسي بمساوئِها وأضرارها، لكن دون جدوى.
أطرَق المريضُ رأسَه نحو الأرض، لقد انهارت قواه، وبدأ يتصوَّرُ نهايتَه المحتومة، بعد هنيهة من السكوت، كأنه استيقظ مِن كابوس ليلي، قال للطبيبِ بصوت خافت وصوت متلعثمٍ:
♦ هل مِن أملٍ في الشفاء سيدي الطبيب إن توقَّفْتُ عن التدخين؟
4- الأصنام
خرج عمر كعادته في الصباح الباكر، في أسفل العمارة يلتقي بمجموعةٍ من سكان الحيِّ، يُلقي عليهم السلامَ، يردُّ عليه أحدُهم مخاطبًا زملاءَه: مسكين هذا الرجل، يخرُجُ صباحًا ولا يعود إلا في المساءِ، ثمَّ ينغلق على نفسه في البيت.
يعود عمر في المساء، يجِدُ نفس المجموعة في نفس المكان، يُحيِّيهم، ثمَّ يقول لنفسه: مساكين هؤلاء الأصنام، لم يتحرَّكوا من مكانِهم طوال هذا اليوم.