إيمان شراب
eman_f@hotmail.com
دخل عاصم على والدته في حجرتها، ألقى
عليها تحية الصباح وقبّل يدها ورأسها جلس عند رجليها، ووضع رأسه على فخذيها. شعرت
به طفلا صغيرا يريد الحنان والدلال، فأخذت تمسح على شعره. رفع رأسه ونظر في
عينيها، دهش لما رأى دموعهما...
- أمي ؟ لم الدموع والبكاء؟ إن الطبيب
لما فك ضماد عينك بالأمس، أوصى بعدم إجهادها وعدم البكاء!
الأم : أعرف يا عصام، ولكن ذلك رغما
عني يا بني.
عصام : ولم البكاء يا أمي؟
الأم : لقد اشتقت لبيتي وأحبابي.
عصام : ما هذا الكلام يا أمي، أو ليس
هذا بيتك؟ ثم من أعزّ من أبنائك وأحفادك؟ نحن هنا كلنا حولك، فمن لك هناك ؟
الأم : جعل الله بيتك عامرا بالإيمان
والحب والخير يا بني، ولكن لا يمكن أبدا أن أكون في بيتي كما في بيتك، فأنا هناك
ملكة وبيتي مملكتي. وهناك أختك والأقارب والجيران.
عصام : يا أمي، أختي متزوجة، فهي ليست
في حاجتك، ومهما كان قرب الأقارب هناك، فنحن الأقرب!
الأم : افهمني يا عصام...
عصام : ماذا أفهم ؟ أتريدين أن تعودي
للحصار والضيق؟
الأم : يبدو أنك اعتدت على الغربة يا
حبيبي .. إنني أشعر هنا بالغربة، أشعر بعدم الانتماء ... أشعر بأنني دائما رقما
متأخرا ...
عصام : طبعا، أمي متعلمة.
الأم : المشاعر لا علاقة لها بالتعليم
يا عصام . صحيح أن الحصار ضارب هناك وخانق .. ولكنني مع ذلك حرة، فالبلاد بلادي،
والشوارع والطرقات ملكي، والهواء هوائي .. أحس بالصبح يتنفس، وبالليل يعسعس.
ألمس الفصول فصلا فصلا ، أرى نور الشمس
وأتلذّذ به وهو يدفّئ عظامي، أفتح نافذة غرفتي، فتؤنسني زيتونتي وليمونتي .
قلوب الناس حولي، كل الناس، أتفهمني
يا عصام ؟
لي هناك أهداف وهنا ضاعت أهدافي .
عصام : لعل أحدنا أو إحدى زوجاتنا
أزعجك!
الأم : أبدا والله .. ولكنني هنا غريبة
، غريبة البيت والوطن .
عصام يتنهد : يعني لا فائدة ! تريدين
العودة.
أحببنا بقاءك معنا بدل وحدتك هناك بعد
وفاة أبي - رحمه الله-.
الأم : لست وحيدة ، أنا كثيرة هناك
بجيراني وأحبابي .. بل أعانكم الله أنتم على غربتكم ووحدتكم .. كل شيء لديكم صناعي
حتى المشاعر!!
سبحان الله ! كل الناس مبتلًى ، ولكنني
لم أتحمل ابتلاءكم هذا !
عصام : مادمت مصرة فلا بأس .. ولكن
المعبر مغلق ، انتظري حتى يفتح .
وأخيرا أخيرا أخيرا .... فتح المعبر
لفترة يسيرة .
ومضت بنا الحافلة ساعات طوال ، لم تجف
دمعتي خلالها . مرة أبكي فراق أبنائي ومرة أبكي زوجي ، ومرة أبكي شوقي لمدينتي ،
ومرة أبكي حمدا وشكرا لله أن أعادني لبلدي أقضي فيها بقية عمري ، وأدفن تحت ترابها
، ومرة أبكي الوضع كله.. إيه ..
وصلت بيتي ، وضعت المفتاح في ثقب الباب
فلم يدر.. خفت وكررت المحاولة .. وإذا بي أسمع صوت رجل في الداخل يسأل : من؟ من
بالباب؟
قلت وجِلة : هذا بيتي ، أنا أم عصام ،
من أنت؟!
وإذ بالباب يفتح ، وأمامي ابن جارتي
مؤهِّلا ومرحِّبا !!
سألته مندهشة : ماذا تفعل هنا ؟!
قال : معك حق يا خالتي .. لا تخافي لست
أنا إلا حارسا ، فقد سمعت أمي بمداهمات للبيوت في المنطقة ؛ فخافت أن يرى اليهود
بيتك دون سكان، فيحتلونه أو يهدمونه أو أي شيء آخر، فحضرت مع الجارات ، ونظفن لك
البيت ، وطلبت مني المبيت هنا بالتناوب مع بقية الجيران حتى تعودي ..
وما إن أنهى كلامه ، وقبل أن أرد عليه
، إذ بجاراتي وابنتي وأقاربي يتوافدون مهنئين بسلامة الوصول وسلامة نجاح العملية .
محمولي يرن، أجبت: وصلت يا بني، أنا
بخير، هل أسمعك زغاريد جاراتي فرحةً برجوعي؟ هل أسمعك الحياة حولي؟ هل أريك ابتسامة
زيتونتي وليمونتي؟ هل ...
عصام : أعرف يا أمي وأفهم ، وكم أحب أن
أكون معك ولكن لا حيلة لنا... لا بأس ، هنيئا لك .
الأم : سلامي للجميع .. وأحبكم حبيبي
مهما يكن.
عصام : أتدرين يا أمي؟ سأفتقد وسيفتقد
صغاري صوتك الدافئ وأنت تنشدين:
أحبك بما فيك من محن ...... يا
وطن أحبك مهما يكن
