هزاع البراري - شكلت مسيرة حياة الوزير والبرلماني هاشم الجيوسي، صورة غنية لأكثر من مرحلة من المراحل الحاسمة التي مرت بها المنطقة العربية، منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى الربع الأخير من القرن العشرين، فهو ليس مجرد شاهد عيان على أحداث جسام غيرت شكل المنطقة سياسياً وعسكرياً، بل كان مشاركاً فاعلاً في مواجهة تحدياتها، والنهوض بالمسؤوليات التي أوكلت إليه خلالها، وفي أكثر من موقع وفي أماكن متعددة، فكان دائماً أهلاً للثقة، فقد كان مسؤولاً حكومياً تارة ومنتخباً شعبياً تارة أخرى، فقد قرّبته المسؤولية الرسمية من الناس، فأحبوه ومنحوه ثقتهم التي ما خانها يوماً ولا نكث بعهد له، هو ما جعله رجلاً حاضراً على الساحة السياسية سنوات طويلة، فقد حافظ على نهجه ولم يبدل في يوم من الأيام.

ولد الجيوسي في مطلع القرن العشرين عام 1903 وإن كانت بعض المصادر ذكرت أن ولادته كانت عام 1901، إلا أنه ولد وكأن في يده مفتاح القرن الجديد، الذي حمل انقلابات وتحولات كبيرة للمنطقة العربية، وقد ولد في مدينة طولكرم الفلسطينية المعروفة، وهي مدينة حاضرة في مسرح الأحداث منذ فجر الحضارة الإنسانية، وما زالت تتمتع بهذا الحضور حتى اليوم، وهي التي قدمت لفلسطين والأردن عدداً كبيراً من رجال العلم والفكر والسياسة، وكان هاشم الجيوسي أحدهم، الذي شغل خلال حياته عدداً من المناصب المدنية والوزارية والبرلمانية، ولا شك أنه خدم منذ تخرجه وحتى تقاعده، في مراحل صعبة فرضت عليه تحديات كبيرة، ناتجة عن الظروف التي واجهت الدولة الأردنية منذ تأسيسها، ولعل ذلك نتاج طبيعي للوضع العام في المنطقة منذ إجهاض الثورة العربية الكبرى، وتراجع مشروع النهضة العربية.
ينتمي إلى عائلة « آل جيوسي « والتي يطلق عيها أيضاً عائلة « الجيايسة « وتذكر كتب التاريخ أن آل جيوسي يرجعون في نسبهم إلى أحد قادة الجيوش المصرية التي كانت تنتقل إلى فلسطين في فترات عسكرية معينة، لأن فلسطين بوابة مصر، لذا كان تواجد الجيوش المصرية متكرراً، حيث تذكر الروايات التاريخية أن جد آل الجيوسي استقر في قرية جيوس القريبة من طولكم، وقد أخذت العائلة اسمها من هذه القرية، ومع الأيام بلغ شأن آل جيوسي شأناً كبيراً، وأصبحوا سادة المنطقة المعروفة بقرى الصعيبات، وبرز منهم زعماء خاصة في عصر المماليك منهم: يوسف الجيوسي، وأبو بكر الجيوسي الذي اقره السلطان قانصو الغوري عام 910 هجرية زعيماً على جبل نابلس، ويوسف الواكد الجيوسي الذي هب لنجدة يافا خلال هجوم نابليون بونابرت عليها.
نشأ هاشم الجيوسي في طولكرم، وتربى في بيت والده وبين أبناء عمومته، وقد درس سنواته الأولى في طول كرم، وكان ذكياً لماحاً منذ خطواته الأولى في المدرسة، وبعد ذلك أنتقل إلى مدينة بيروت، التي كانت من أهم الحواضر العربية العلمية في تلك الفترة، حيث التحق هناك بالكلية الإسلامية عام 1916، بعد أن انهى دراسته الثانوية في الكلية والإسلامية ببيروت، التحق بالجامعة الأمريكية لدراسة القانون لمدة سنتين عام 1923، حيث عاد بعدها إلى بلده طولكرم في فلسطين، وبعد عودته بفترة وجيزة، بدأ هاشم الجيوسي حياته العملية من خلال عمله في المحاماة لفترة من الوقت، وسرعان ما لمع نجمه بفضل اجتهاده وسماته الشخصية المحببة، وما تمتع به من ذكاء وسرعة بديهة.
وقد أصبح عام 1938 رئيساً لمحكمة طولكرم، وهو منصب قضائي رفيع، وقد تزامن هذا المنصب، مع انتخابه رئيساً لبلدية طولكرم حيث احتفظ بهذا المنصب حتى عام 1948، ولم يقتصر نشاطه الوظيفي عند هذا الحد، فقد كان يفيض حماسة ونشاطاً ومعرفة، حيث أصبح أيضاً نائب رئيس لجنة التعليم المحلية، التي كان لها دور أساسي في تشجيع التعليم وتطويره، وبعد أن غادر منصب رئيس البلدية عام 1948 اختير عضواً في اللجنة التنفيذية لمدينة طولكرم حتى عام 1951، ومن ذلك يتبين أن هاشم الجيوسي كان من الشخصيات التي تمتعت بمكانة كبيرة ومقدرة في طولكرم، وفي فلسطين والأردن، خاصة بعد الوحدة بين الضفتين، حيث أهلت هذه الخبرات الكبيرة والمتعددة هاشم الجيوسي، ليتسلم فيما بعد أرفع المناصب الإدارية والسياسية، وأن يحقق نجاحاً باهراً فيها.
دخل الجيوسي نادي الوزراء منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، فقد كانت أول مشاركة له في الحكومات الأردنية، عندما أسندت إليه حقيبة وزارة المواصلات عام 1950، وكان ذلك في حكومة سعيد المفتي، ومنذ ذلك تلاحقت مشاركاته في عدد من الحكومات الأردنية المتعاقبة، فقد عاد ودخل ضمن تشكيلة حكومة دولة توفيق أبو الهدى المشكلةعام 1951، وكذلك في حكومة توفيق أبو الهدى التي شكلها بتاريخ 8 /9 /1954، وقد انتقل إلى حقيبة وزارية سيادية عندما عين وزيراً للداخلية في حكومة توفيق أبو الهدى المشكلة بتاريخ 24 /10 /1954، وهو منصب وظف فيه خبرته القانونية، وكان وزيراً ناجحاً ومقرباً من الناس.
عندما شكل توفيق أبو الهدى الحكومة من جديد بتاريخ 24 /10 /1954، أسند حقيبة وزارة التجارة لهاشم الجيوسي، وقد رافق الوزير هاشم الجيوسي توفيق أبو الهدى في عدد كبير من الحكومات التي شكلها، فهو الذي شكل عدداً كبيراً من الوزارات الأردنية، وهو من الوزراء الأكفياء، والمعروفين بالعمل والإنجاز ونظافة اليد، لذا عندما شكل دولة سمير الرفاعي – الجد – الحكومة منح هاشم الجيوسي حقيبة وزارة المالية، وقد حقق نجاحاً جديداً في عمله كوزير للمالية، وعندما أجرى رئيس الوزراء إبراهيم هاشم تعديلاً على حكومته بتاريخ 13 /7 /1957، أصبح بموجبه هاشم الجيوسي وزيراً للمواصلات من جديد، وهكذا بقي هاشم الجيوسي اسما عابرا للحكومات، وما يكاد يغيب اسمه حتى يعود من جديد ضمن حكومة جديدة، خاصة أن الظروف السياسية في تلك الفترة، فرضت تغيير الحكومات بوتيرة متسارعة.
كان هاشم الجيوسي اسماً حاضراً عند تشكيل الحكومات، فعندما كلف دولة هزاع المجالي بتشكيل الحكومة بتاريخ 6 /5 /1959، عين هاشم الجيوسي وزيراً للمالية مرة أخرى، وكذلك في حكومة دولة بهجت التلهوني المشكلة بتاريخ 6 /7 /1964، وقد كانت آخر مشاركة له في الحكومات الأردنية كوزير، في حكومة دولة بهجت التلهوني المشكلة بتاريخ 7 /1 /1967، بذلك يكون هاشم الجيوسي بحق وزيراً حاضراً بفعالية في الحياة السياسية الأردنية، خاصة في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
وخلال توليه للحقائب الوزارية، خاض الانتخابات البرلمانية في مطلع الستينيات وحقق النجاح فيها، وبذلك أصبح نائباً في مجلس النواب حتى عام 1963، وفي عام 1963 عين هاشم الجيوسي عضواً في مجلس الأعيان الأردني، وقد أصبح بذلك مسؤولاً لا يشق له غبار، ورجل تشريع صاحب خبرة عملية كبيرة، وقاضٍيا متمرسا بالمعرفة والعدل، فكان حالة فريدة في التاريخ الاجتماعي والسياسي الأردني، فهو ما زال حاضراً بفكره وعمله وحسن انتمائه وإخلاصه، فلقد خدم بلده ولم يبخل عليه بجهده وخبرته الواسعة.
نال هاشم الجيوسي خلال حياته الحافلة بالعطاء والنجاح، التكريم والتقدير رسمياً وشعبياً، فقد اختاره الناس لعضوية مجلس النواب، وحمل أمانة المسؤولية الحكومية، كما منح وسام الاستقلال من الدرجة الأولى، كذلك منح أيضاً وسام الكوكب الأردني من الدرجة الأولى، وبقي هاشم الجيوسي حاضراً وفاعلاً في الحياة العامة رغم تقاعده من العمل الرسمي، قابضاً على عهد الولاء والانتماء، ولم يركن للراحة حتى وفاته عام 1981، متوجاً تاريخاً حافلاً بالعمل والإنجاز والتفوق، وترك اسمه محفوظاً في ذاكرة أكثر من مرحلة من مراحل تاريخنا الحديث، والذي لن يغيب أبداً.


المراجع

alrai.com

التصانيف

وزراء   العلوم الاجتماعية