أبواب - وليد سليمان (1-2)

عن عمرٍ ناهز «90 » عاماً في العام الماضي، رحل عنا «محمود السمرة» دكتور الأدب والنقد العربي, وزير الثقافة الأسبق ورئيس الجامعة الأردنية، وأحد مؤسسي مجلة العربي الكويتية في العام 1958.

وكان د. السمرة قد كتب مذكراته في العام 2006 بعنوان «إيقاع المدى.. سيرة ذاتية», حيث تجول بذاكرته القديمة سارداً تجربة حياته الشخصية والعلمية والثقافية أثناء تواجده في عدة دول منها فلسطين والأردن والقاهرة والكويت ودول أجنبية أخرى.

وكان مما كتبه حول ذكرياته في عَمَّان ما يلي:

«لقد كانت عمان في العام 1964 مدينة صغيرة أشبه بالقرية، الحياة فيها هادئة آمنة بطيئة، كانت المدينة تنام باكرا، والسيارات فيها لا اثر لها بعد العِشاء، أما المباني فلافتة للنظر بأناقتها الظاهرة وتجانسها، يزينها الحجر الأبيض في واجهاتها الذي أضفى عليها رونقاً وبياضاً ناصعاً جميلاً، وكان هذا مصدر اعجاب القادمين والزوار إليها».

بيت في خارج عمان


«وفي أول سنة لنا في عمان سكنا في فيلا حديثة، اختارها لنا صديقي عبدالرحيم عمر، رحمه الله، قبل ان نغادر الكويت، وكانت تقع فيما يسمى حي الضباط وهي منطقة في رأس الجبل المقابل لما أصبح بعد سنوات المركز الثقافي الملكي، وكانت الفيلا تقع على ارض مساحتها دونم وايجارها السنوي 350 ديناراً».

«وكانت واسعة جميلة, والمنطقة مريحة للسكن، وفيها تعرفت على الجيران الذين أصبحوا أول الأصدقاء في عمان: فوزي ضياء وأديب نفاع، وكانا ضابطين برتب رفيعة، لكن هذه المنطقة كانت في العام 1964 في أطراف عمان، وكنتُ إذا نظرتُ باتجاه المدينة وجدتني بعيدا عنها حتى يُخيل لي انني خارج عمان وأنا ممن يحبون السكن بين الناس وفي منطقة متوسطة قريبة من كل شيء. فما أن انقضت السنة حتى قررنا الرحيل».

«وجاءني صاحب البيت وكان محتاجاً لبعض المال, فعرض عليَّ شراءها بمبلغ 3750 ديناراً لكنني رفضت فما كنت راغباً أن يصبح هذا السكن البعيد سكني الدائم، اما شراء الفيلا لغايات الاستثمار فلم يكن يخطر ببالي قط آنذاك، اذ كان ذهني منصرفا للكتابة والتدريس الجامعي والبحث، وليس في تجربتي وماضيَّ ما يؤهّلني للتجارة والبيع والشراء، وقد بقي ذلك طابعي على الدوام».

في جبل اللويبدة

«وبعد عام من مجيئنا الى عمان انتقلنا الى شقة في عمارة بجبل اللويبدة، وكانت العمارة تمتاز بحجرها الزهري والأسود, وكان هذا خروجاً عن المألوف في البناء، اذ كانت كل المباني من الحجر الأبيض، وكم أحببنا هذا الجبل الهادئ المريح وكانت شوارعه ضيقة ومبانيه أنيقة، أما سكانه فكانوا قلائل هم من الطبقة المتوسطة المثقفة،وبعد ان نَمَت عمان وتوسعت وتغيرت معالمها وازدادت مبانيها، بقي جبل اللويبدة على حاله, فشوارعه لم تتغير وكذلك محلاته التجارية ومبانيه لم يزدد عددها ولم يطرأ عليها اي تغيير، وبقي موطناً للطبقة المتوسطة المثقفة المتناقصة, بعد ان اختلف البناء الاجتماعي واتجه الناس الى التجارة والاعمال الحرة والاستثمار وابتعدوا عن الوظيفة الحكومية».

«وفي عام 1979 انتقلنا للسكن في المنزل الذي اصبح مُلكاً لنا، وقد أقيم على ارض قريبة من الجامعة الأردنية, تم توزيعها على قدامى الأساتذة والعاملين في الجامعة، لكن صلتنا بجبل اللويبدة بقيت متصلة، نعود اليه في يوم الاجازة الاسبوعية لشراء الاغراض من محلاته التي اعتدنا الذهاب اليها. ونلتقي بالصديق حنا سلامة، وهو صاحب سوبرماركت «بابل»، ونجلس عنده في صحبة اصدقاء اعزاء».

«واذا انا زرت جبل اللويبدة اليوم غمرتني ذكريات الماضي الجميل، واذ انا اسير في شوارعه الآن فكأنني اسير فيها قبل أربعين عاماً، لم تتبدل، وبقي هذا مصدر سحره وجماله».

جامعة صغيرة في قرية

«وكانت الجامعة الأردنية في عمان جامعة صغيرة في قرية. بدأت الجامعة عام 1962 بكلية الآداب, ثم اقامت كليتين هما: كلية العلوم، وكلية التجارة. واكثر اساتذتها منتدبون من الجامعات المصرية، ومُتَعَاقَد معهم من جامعة دمشق، وقلة منهم من الجامعات العراقية. وكنا محظوظين بأننا استقطبنا لطلبتنا أساتذة أعلاماً».

«وكما هو الحال مع كل وليد جديد، فان الشك في مستوى الجامعة كان يراود الطلاب وأهليهم لكن الجامعة لم تلبث بعد سنوات معدودة وقليلة ان اكتسبت احترام مجتمعها وتقديره».

«والفضل في هذا يعود الى رئيسها الاستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد، وصحبه الذين استقطبهم، وهم من الصفوة. فقد كان الدكتور عبدالكريم غرايبة عميداً لكلية الآداب والدكتور رشيد الدقر سوري الجنسية عميداً لكلية التجارة, والدكتور صلاح تحسين عراقي الجنسية عميداً لكلية العلوم. ولم يكن هناك فرق بين اردني وسوري وعراقي، او من اي جنسية اخرى».

«وبعد ذلك بسنوات اصبح الدكتور غرايبة والدكتور الدقر نائبين للرئيس، كما عمل الدكتور عبدالوهاب البرلسي وهو طبيب مصري الجنسية، نائبا للرئيس فترة من الزمن».

«وكانت الجامعة قد تعاقدت مع مجموعة من الاساتذة في الجامعات السورية للتدريس في الجامعة الاردنية كمحاضرين غير متفرغين كانت الجامعة الأردنية بحاجة لخبراتهم، وكان الاساتذة السوريون يسافرون بين سوريا والأردن أسبوعياً على مدار العام. وكان حملة الدكتوراه من الأردنيين في التخصصات التي تدرِّسها الجامعة قلة قليلة».

حادث في السيارة

«كنت وصديقي الأستاذ أبو سعود حسن النابلسي، رفيقَيْ درب الى الجامعة ومنها، وكان هو الامين العام للجامعة وقد ربطتني به علاقة قوية وما يزال الود بيننا صادقا متصلا الى اليوم، وكنا نسكن في منزلين متجاورين في جبل اللويبدة.. وفي احد الايام كنا عائدين من الجامعة وكان برفقتنا الاستاذ وصفي عنبتاوي، وكان محاضرا غير متفرغ في الجامعة. وعند طرف من أطراف عمان فيما يعرف اليوم بشارع المدينة الطبية، ولم يكن بناؤه مكتملا آنذاك، مرت بنا شاحنة ضخمة وانعطف السائق بها بشكل فجائي فعلقت نهاية الشاحنة بمقدمة السيارة التي كنت اقودها واخذ يجرنا دون ان يدرك ما حدث الى حافة واد سحيق فأخذت انبههُ باستخدام زامور السيارة دون جدوى واصبحت السيارة على بعد سنتيمترات من الحافة.. واعتقدنا انها ستقع فيها لا محالة، وفي اللحظة الأخيرة توقفت الشاحنة ونجونا بأعجوبة. فقد تدخلت العناية الإلهية التي رافقتني طيلة حياتي مرة اخرى. واصيب ابو سعود في كتفه اصابة مؤلمة، وقد اخبرني ان الألم بقي يعاوده كلما شعر بالبرد».

لقاء أسبوعي في سيليكت

«وفي أيام الخميس، وقد اصبحت بعد سنوات عطلة رسمية للجامعة، وكنت اذهب وابو سعود الى «فندق سيليكت» في جبل اللويبدة حيث يقيم الدكتور عبدالعزيز الدوري وهو استاذ جامعي عريق، جاء الى الاردن ليعمل في قسم التاريخ بالجامعة ولبث فيها سنوات.. وهو حتى تاريخ كتابتي هذه المذكرات ما يزال نشطا في البحث والتدريس في الجامعة، متّعه الله بالصحة والعافية. وكان الدكتور الدوري قد عمل رئيسا لجامعة بغداد سنوات عدة. وكان يشاركنا هذه الجلسات الدكتور صبحي القاسم وقد عمل في الجامعة وتولى فيها، في فترات متباينة، عمادات كليات العلوم والزراعة والدراسات العليا. وكنا نتحدث في امور الجامعة وقضايا السياسة وكان هذا اللقاء اسبوعيا نسعى اليه لنروح عن انفسنا وكنت وحسن وصبحي ممن يحبون لعب الطاولة (شيش بيش) فنقضي شطرا من اللقاء في المبارزة.. اما ابو زيد الدوري فكان يكتفي بالمشاهدة.. وكان يرافقني الى هذه اللقاءات ابني رائد ولم يكن قد تجاوز في البداية الثالثة عشرة من عمره».

تسوُّق في وسط البلد

«وذهبت يوما وزوجتي سهام اليحيى لنشتري خضارا وفاكهة من محل في وسط البلد معروف بجودة بضاعته وارتفاع اسعاره بالنسبة لغيره من المحلات. واذكر اننا اكثرنا الشراء من كل شيء حتى امتلأ صندوق السيارة الخلفي، ولم يبق فيه متسع. وكان مع سهام وهي حاملة النقود، ما يقارب سبعة دنانير فخشينا ألا يكون هذا المبلغ كافياً لندفع ثمن ما اشتريناه. ولم نصدق ما سمعناه من صاحب المحل حين اخبرنا بان مجموع الشراء هو 75قرشاً فقط كانت الاسعار زهيدة للغاية، واذكر انني اشتريت سيارة مرسيدس حديثة بمبلغ يقل قليلاً عن ألفي دينار. كان ذاك في عام 1964، فأين نحن اليوم من تلك الأيام؟ لقد مضت الى غير عودة».

«وكبرت عمان بسرعة، وكبرت معها الجامعة، وازدحمت قاعاتها بالطلبة مما اضطرنا الى ان نضع قواعد للقبول، لانها لا تتسع لكل هذه الاعداد. وكانت القاعدة ان علامة الطالب في شهادة الدراسة الثانوية هي الفيصل. ولسنوات من عمل الجامعة، كان الالتزام تاماً بهذه القاعدة».

عبد السلام المجالي والجامعة الأردنية

وكانت النقلة الكبيرة في حياة الجامعة سنة 1973، عندما تولى رئاستها الدكتور عبدالسلام المجالي، إذ كان يؤمن أن خير سياسة هي سياسة الأمر الواقع، وفَتْحُ كليات جديدة، وهي تفرض على المسؤولين تلبية حاجاتها. وهكذا نشأت كليات الطب والهندسة والصيدلة والزراعة والشريعة. واستقل قسم التربية وعلم النفس عن كلية الآداب، لتكون كلية التربية ثم نشأت كلية التربية الرياضية...»

«وهذا الوضع الجديد في الجامعة، أدى إلى وضع سياسة جديدة للقبول فيها: فخُصِّصَت نسبٌ من المقبولين، لأبناء المناطق النائية، وأبناء الشهداء، وأبناء المناطق الأقل حظاً، وأبناء القوات المسلحة، وأبناء العاملين في وزارة التربية.. الخ وهناك قائمة للديوان الملكي..الخ».

عرفت الملك الحسين عن قُرب

ومنذ إنشاء الجامعة كان الملك الحسين رحمه الله يدعمها، وييسر أمورها، ويفخر بها، ومن علاقتي بالجامعة الاردنية ووزارة الثقافة، عرفت الملك الحسين عن قُرب: إنساناً، لطيفاً، مهذباً، متواضعاً.

وقد أخبرني الدكتور عبدالله الحياري، مدير المدينة الطبية آنذاك أن الملك مرَّ بمكتبه فرأى اسمي على ورقة أمامه، ومنه عرف أنه تمُر بي أحياناً حالة اختلال في التوازن، ورغم كل الفحوصات لم يُعرَف السبب. وإذ بالملك، رحمه الله، يقرر أن أذهب لإجراء فحوصات في مستشفى مايوكلينيك (Mayo Clinic) بأميركا.

وكان الدكتور خالد الكركي آنذاك رئيساً للديوان الملكي، وتربطني به علاقة تعود إلى بداية عملي في الجامعة الأردنية عندما كان أحد طلبتي في الجامعة، ثم اصبح أحد اصدقائي المقربين الأوفياء.

وقد أشرف بنفسه على ترتيب أمور السفر إلى أميركا بسرعة. كان ذلك في أيلول 1993.. فذهبت شاكراً لجلالته ومُقدِّراً هذه اللفتة السامية».

 

وأُجْرِيَت لي فحوصات شاملة استمرت أربعة أيام.

فأظهرت النتائج ان كل شيء كان طبيعياً، وان ما يحدث معي من احساس بعدم الاتزان ناجم عن ارتفاع الحرارة الشديد بسبب التهاب في الحلق أو في اللوزتين أو لأي سبب من الأسباب، ولا شيء غير ذلك. وإذ بالعلاج دواء مخفض للحرارة. وقد عجبت من تأثير ارتفاع الحرارة على جسم الإنسان.

«عشنا هذه الفترة على اعصابنا في انتظار نتيجة كل فحص على حدة، وكنت بصحبة زوجتي وابني رائد، وعندما انتهيت من الفحوصات كلها سعدنا بالنتيجة واحتفلنا أثناء عودتنا وتوقفنا في نيويورك وحضرنا مسرحيتي مس سايغون (Miss Saigon) في ليلة، وشبح الأوبرا.. (Phantom of the Opera) في ليلة ثانية، واستمتعنا بهما كثيراً.

وبعد فترة ليست قصيرة عندما رآني جلالة الملك في إحدى المناسبات، استوقفني وأخذ يسأل عن صحتي وأحوالي حتى اشعرني بأنه شديد الاهتمام بما يجري لي. وهكذا كانت طبيعته دائماً في اشعار الآخرين بأنه حريص عليهم وأنه معني بأمورهم. واني لأعجب كيف كان لزعيم مثقل بالهموم مثله ان يلتفت الى هذه الأمور، وأن يتحسّس مشاكل الناس الخاصة. انها دون شك صفات نادرة لكنها العبقرية في الزعيم القائد. وما اذكره من تواضع الملك الحسين، رحمه الله، يعرفه كل من التقى به, ويصغي لضيفه بكل مشاعره ويخاطبه تكراراً بكلمة (سيدي). وكان كثير التردد على الجامعة الأردنية في بدايات عهدها، قبل ان تنتشر الجامعات في كل مكان، وكان يسعد بلقاء الأساتذة والطلبة. وكنت إذا رافقته في ارجاء الجامعة، دعاك الى التقدم عليه عند كل باب ومدخل.

وكنت تحس بأن تواضع الملك هذا هو التواضع الأصيل غير المصطنع.

المراجع

alrai.com

التصانيف

وزراء   العلوم الاجتماعية