انطلقت القافلة تجد السير في سباق دؤوب مع جيوش الظلام الغازية .
صاح أحدهم : أرجو أن لا يطول بنا المسير.
رد آخر: عسى أن نعثر على غايتنا بسرعة ، ثم يمضي  كل منا لشأنه.
مضى وقت ليس بالقصير ، والقافلة في سيرها الحثيث .
تعثر أحدهم فوقع على الأرض، ما لبث أن هب واقفا ، وهو يقبض على حفنة من النقود. صاح بصوت يخنقه الانفعال:
ذهَبْ، والحقُ أقول، إنه ذهَبْ ...
انضم إليه بعض أفراد القافلة، وقد أخذت الفرحة بهم، علت صيحاتهم، وأخذوا يتراقصون طربا.
لابد أن هنالك المزيد من الذهَبْ، سنمكث هنا حتى نعثر على بقية الكنز .
هزَ أحدهم رأسه أسفا، وهتف بهم : ولكن يا أصحابي، نحن لم نخرج بحثا عن كنز ّ!
ولكنه ذهبْ، أيها الأحمق ! ألا ترى بريقه الذي يكاد يخطف الأبصار رغم حلكة الظلام؟
يا قوم ! قد خرجنا نبحث عن شأن أعظم، وغاية أسمى، ولابد أن نبلغ غايتنا ونحقق هدفنا
- دعنا وشأننا ، سنمكث هنا حتى يشرق الصباح، فنعثر على بقية الكنز.
- أجل ، اذهب ، فإننا هاهنا قاعدون!
تخلف عن ركب القافلة بعض أفرادها ، بينما مضى الباقون يتابعون سيرهم ، لا يلوون على شيء.
أرهقهم السرى ، وكاد أن يفتك بهم الجوع والعطش .
تناهى الى سمعهم حفيف أوراق الأشجار، وخرير مياه منسابة ، فهرع الجميع إلى الواحة 
ظل ظليل ،وماء نمير ...قطاف دانية ، ومياه جارية ، إنه النعيم حقا ، هتف أحدهم بغبطة
انضم إليه البعض ، وهو يفترش مكانا تحفه الأشجار.
-ولكن يا قوم ألا تذكرون لم كان خروجنا ؟ إننا لا نبحث عن كنز نغتني منه ، ولاعن مقعد نرتاح إليه .
- لقد تعبنا من المسير، ومللنا من البحث عن المجهول .
وافقه آخر :لقد نسيت لم كان خروجنا.
-اذهب ، إننا هاهنا قاعدون .
لم يتبق في القافلة إلا بضعة من أفرادها ، أوغلت المسير ، رغم أفول النجم و حلكة الظلام ووحشة المسير في طريق غريبة ، مريبة ، مقفرة  .
ازدادت وطأة الجوع وعتمة الليل وغربة البحث عن المجهول،  حتى لكأن السرى لن ينقضي أبدا
كاد أحدهم أن يهوى أرضا ، تلقاه صديقه  فضمه  إلى صدره ببعض ما تبقى لديه من قوة ، انضمت إليهما القلة الباقية  .
تماسكت أيديهم المرتجفة ، تلاحمت أجسادهم المرهقة ، اختلطت زفراتهم الحرى ، تمازجت دموعهم المنسكبة .
حشرج أحدهم بين دمع وآهة :دعونا إذن نموت واقفين .
رد صديقه  :يكفينا فخرا أننا لم نتخلف لمقعد أو نفتن بمال .
أجابه آخر بصوت تخنقه العبرات : نعم  يكفينا فخرا أننا بقينا إخوة مخلصين ، لم نسلم بعضنا ، ولم نخون أمانتنا ، ولم نيأس من روح الله.
انبثق على حين غرة ، نور كريم واعد ،آت من الشرق.
تناهت إلى سمعهم زقزقة عصافير تعلن مولد صبح بهيج
لاحت لهم مآذن تعانق السماء ، وكنائس يلفها الغمام .
صاح أحدهم بصوت استيقظ فيه الرجاء فأمده بالعزم :
يا للعجب! إنها قريتنا التي خرجنا منها!... لقد عدنا إليها !!!
رد إخوانه ونشوة الفوز تملأ  صدورهم :
بل عادت إلينا ضالتنا التي غابت عنَا منذ وقت بعيد.
 

المراجع

odabasham.net

التصانيف

ادب  قصص  مجتمع   الآداب   قصة