شجرٌ صافٍ ، وســماءٌ خضراءْ
 
وبرائحةٍ من مومباسا يبتلُّ المــاءْ
 
وبرائحةٍ من حنّاءِ البحرِ عرفناكِ وسمّـيناكِ . مدينتَـنا
 
أيامَ أتيناكِ تعلّـمْنا كيف يدورُ الفِـطْـرُ خبيئاً بين الظلِّ
 
وبين النخلِ ،
 
تعلّـمْـنا كيف نؤذِّنُ في العيدِ
 
وكيف نُلاعبُ أسماكاً هادئةً
 
كيف نراوغُ حيّاتِ الماء …
 
وتعلّمـنا أن نجلسَ أحياناً والغيمَ …
 
كباراً كنّـا ؟
 
وكباراً كانت قطراتُ المطرِ ؟
 
اسـتَـرْوَحْـنا زهرَ النوّامِ
 
عرفنا كيف تكونُ توَيجاتُ الزهرةِ كاللحمِ .
 
بعيداً في أنهارٍ غامضةِ الأصواتِ نخوضُ .
 
ومَن أنبتَ هذي العنبةَ عند مُـسنّـاةِ الجامعِ ؟
 
مكتبةُ المخطوطاتِ الأولى في جيبِ الدشداشةِ .
 
سافرتُ بعيداً حتى بابِ سـليمانَ
 
أميري في قلعتهِ النهريةِ كان سجيناً.
 
حينَ تظاهَـرْنا – طلاّبَ المحموديةِ –
 
قالوا ستطاردنا الشرطةُ .
 
دَخَـنّـا في البستان المهجور سجائرَنا الأولى ،
 
وبكَـينا من خوفٍ .
 
رائحةُ الأشَـناتِ
 
السمكُ المـيّتُ في القيظِ …
 
قناطرُ تحملُـنا
 
وقناطر تركلنا
 
وقناطر تغسلنا ،
 
شُـرُفاتُ أميراتِ الهندِ بعيدةْ
 
والبستانُ بعيدٌ
 
بابُ سليمانَ بعيدٌ
 
والبيتُ بعيدٌ …
 
والشمسُ التـفّـتْ بالسعَـفِ اللدْنِ ونامت.
 
..................
 
..................
 
رِجْـلُ المعزى
 
رجْـلُ المسحاةِ
 
...................
 
ونسمعُ في العتْـمةِ خطوَ السّـعلاةِ ...
 
وفي الدمع انطفأتْ نارُ سجائرنا الأولى .
 
يا حلو ، يا مصطفى
 
يا قُـرّةً للعينْ
 
نومَ الهنا ... مصطفى
 
يا أشهلَ العينينْ
 
غَـمِّـضْ على خيلنا
 
والبصرةِ الصّـوبَـين
 
تحميك بعد النبي
 
والسادةِ الألفَـين
 
يحميكَ يا مهجتي
 
مختارُ " كوتِ الزين "
 
( 2 )
 
وردٌ أزرقْ
 
وسمـاءٌ حمراءْ
 
وبأسنانِ الكوسجِ يبتلُّ الماءْ
 
لا بأسَ ، سأفتحُ جرحاً في كفِّـي
 
لأخبِّـيءَ نجماً
 
ثم أذرُّ دقيقَ الليفِ عليها
 
وأقولُ سلاماً يا حمّــالي سفنِ العالمِ
 
يا عمالَ قطاراتٍ لم تمنحني تذكرةً أو ذاكرةً …
 
في الليلِ نجوبُ درابينَ الصيفِ
 
ونفتحُ في جدرانِ رطوبتهِ ثقباً نتنفسُ منهُ ،
 
ويا أوحالَ صرائفنا ، يا مطرَ الأمطار
 
فساتينٌ تَـزَّيَّـنُ بالأطمار
 
وتكتمُ نجماً …
 
وعباءاتٌ تعتمِـرُ البصرةَ كوخاً كوخاً
 
ومناشيرٌ تخْـفُقُ تحتَ سماءٍ حمراء …
 
وبين القُـرنةِ والفاوِ:
 
بساتينُ النخلِ ، وأزهارُ الملحِ
 
سلاماً للطالعِ
 
للطّـلْـعِ
 
لكل امرأةٍ تحملُ في سُـرّتها نجماً قطبيّـاً
 
وتُـطَـوِّفُ بين القرنةِ والفاو …
 
مدينتَـنا
 
سبعُ عرائسِ ماءٍ جئنَ إلينا في ليلٍ شتويٍّ ،
 
قُـلْـنَ لنا : أبصرْنا سربَ كواسجَ يأتي من جهةِ الغربِ ،
 
فأبحَـرْنا نلقاهُ …
 
لكنْ بزوارقَ من برديٍّ
 
من ورقٍ
 
من سعفٍ هشٍّ
 
أبحرْنا …
 
لكنّ البلطةَ كانت تحْـتَـزُّ زوارقَـنا كالماءِ ،
 
الماءُ سـماءٌ حمراءُ
 
دمٌ يتدفّـقُ مطلولاً بين القرنةِ والفاوِ ، وهذا الكوسجُ
 
يبحثُ عن نجمٍ قطبيِّ يأكلهُ .
 
انفتحتْ بوّاباتُ الغربِ …
 
مدينتَـنا
 
أيَّ طبولٍ نسمعُ في الليلِ الهامدِ …
 
أيُّ حكاياتٍ يسمعها حتى النخلُ
 
فيذوي منكفيءَ الجذعِ ،
 
وأيُّ خريفٍ سيطولُ إلى آخرةِ الدنيا …
 
يا حلو ، يامصطفى
 
يا زينة الشبّـانْ
 
مرّتْ غيومُ العِـدا
 
مرتْ على " حمدان"
 
يا حلو ، يا مصطفى
 
هانَ الذي ما هانْ
 
بعد الندى والندامى
 
ضعضعوا البنيانْ
 
يا حلو ، يا مصطفى
 
يا سدرة البستانْ
 
يا ليت شمس الضحى
 
حنّتْ على الولهانْ
 
(3 )
 
تابوتٌ أخضرْ
 
وسماءٌ بيضاءْ
 
وبِـطَـلْعِ النخلةِ يبتلُّ الماءْ
 
في الضفةِ الأخرى : عـمِّـي.
 
في شاطئنا : كان أبي .
 
في شط العربِ:
 
الزورقُ مختبيءٌ بين البرديّ . وحيدٌ .
 
لم يبقَ من النخلِ سوى أعجازٍ خاويةٍ .
 
إن سماءً بيضاءَ
 
سماءً كانت خضراءَ
 
تمدُّ يديها نحو سماءٍ ثالثةٍ :
 
" أنا عريانةْ
 
أنا عريانةْ
 
ذهبتْ بالنخلِ مدافعُـهمْ
 
ذهبتْ بالأهلِ مدافنُـهم
 
أنا عريانةْ "
 
والبصرةُ تدخلُ تحتَ شوارعها
 
تدخلُ تحت الماءِ أُجاجاً
 
تدخل تحت الكتبِ الموصوفةِ
 
تدخلُ في الروحِ ولا تخرجُ إلاّ والروحَ …
 
مدينتنا
 
مَـن ضيّـعَ عاداتِ النورسِ ؟
 
من جاءَ بغربانِ الجثثِ الأولى؟
 
من جاءكِ بالأكياسِ الرمليةِ يا فيروزَ الشطآنْ ؟
 
من عضَّ سِـباخَـكِ بالقتلى ؟
 
نهرٌ عبّـاسيٌّ يحفر مجراه
 
قروناً هذا النهرُ العبّـاسيُّ يتابع مجراه
 
من أسباخِ الزَّنجِ يتابعُ مجراه
 
ونحن ، حلمْـنا ، يوماً ، أن نوقفَ بالأيدي مجراه …
 
مدينتَـنا
 
سنظلُّ – وإنْ شِـبْـنا – أطفالَـكِ
 
نحملُ طلْـعَـكِ في جيبِ الدشداشةِ
 
نشربُـهُ في حشرجةِ الماء …
 
مدينتَـنا
 
ما ضِـعتِ
 
وما ضعنا ،
 
لكنْ ، ضَـيَّـعَـنا الأعداءْ …
 
يا حلو ، يا مصطفى
 
يا زينة البصرةْ
 
نوم الهنا ، مصطفى …
 
ما أضيقَ الحفرةْ

المراجع

موسوعة العالمية للشعر العربي

التصانيف

شعراء   العلوم الاجتماعية