وقد يكون سبب القطيعة والخصومة بين بعض المجموعات اجتهادات مختلفة أو أقوال متبعة، فيتعصب كل أحد لقوله ويسفِّه رأي الآخر ويبدو الأمر كأن القوم قد فقدوا عقولهم وفقدوا معها كل ما تعلموه من آداب الخلاف وقواعدة التي باتوا يتعلمونها سنين طوال حتى شابت مفارقهم
يقول سفيان: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه.. و قال: ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً عنه من إخواني أن يأخذ به. ( الفقيه والمتفقه ).
ويقول أحمد: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم، قال ابن مفلح: لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع.( الآداب الشرعية ).
وقال النووي: " ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً " ( شرح مسلم ).
ويقول شيخ الإسلام: " مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه " ( مجموع الفتاوى ).
ودعونا نتساءل ماذا يفيد المسلمين من أكل بعضنا لحم بعض ؟ وهجوم بعضنا على بعض ؟ وخصومة بعضنا بعضا ؟ وماذا تستفيد الدعوة من ذلك ؟ إن هذا التناحر والتفرق لا يخدم الإسلام ولا المسلمين في شىء بل إنه يفيد أعداء الأمة الذين يتخذون المتخاصمين عصيا يضربون بها العاملين لله..
جانب آخر مهم وهو تلك السلبية التي اتصف بها البعض في مواقف النزاع والخلاف وأصبح موقف العديد من الأفراد سلبيا يقتصر على مجرد الاستماع إلى وقائع النزاعات لنقل الأخبار والتفرج على قصص الناس دون القيام بأية خطوة إيجابية لمحاولة الإصلاح، وهذا قد يرجع إلى الغفلة واللامبالاة بشؤون الصالح العام لأمتنا وتناقص حس خدمة القضايا العامة على حساب الراحة الشخصية.
إن ما نسمعه اليوم من تهكم بعض الدعاة على بعض وسخريتهم من بعض على رؤوس المنابر وفي دروس العلم وعلى شاشات الفضائيات لا ينتمي بحال لأدب هذا الدين العظيم، وإنما الواجب على هؤلاء أن يبينوا الصواب الذي يرونه وينتقدوا الخطأ عند الآخر بأدب ووقار وأسلوب علمي رصين ويدعون غيرهم لاتباعه بخلق حضاري نظيف، فإن كل داعية مسلم لن يخلو من خير ونفع لأمته.
إننا بحاجة مُلحَّة إلى وسطاء علماء عقلاء حكماء عادلين، يقومون بدور الوساطة بين المختلفين والمتخاصمين من الدعاة في كل مكان على حدة، وأن يتولى ذلك في كل مكان أناس على درجة عالية من الفهم والحكمة، يعتمدون لغة الحوار والإقناع والتعقل مدعومة بلغة العلم والفقه والدليل، يكون هدفهم رأب الصدع وتصفية النفوس بين الدعاة والعلماء، وأرى أن يدور عملهم حول عدة محاور هامة للقضية:
أولاً: نشر ثقافة الاعتصام بحبل الله ووحدة الصف والتعاون على البر والتقوى وأدب الخلاف وفقه الخلاف وقواعده.
ثانياً: التبصير بمكائد أعداء الأمة ومرادهم من نشر الخلاف بين العاملين لله.
ثالثا: إقناع المختلفين إلى أن يدور خلافهم في حدود العلم والمادة العلمية بأصولها وألا يتعدى ذلك إلى التثوير واتباع الهوى ورغبات النفس، ويمكنهم بيان أقوالهم وآرائهم في كتابات علمية رصينة بدلا من أن تكون على المنابر وفي دروس المساجد، فيغروا بذلك بعض السفهاء من أتباعهم وتتضخم الأمور إلى مالا يحمد عقباه.
رابعاً: العمل على بناء جدر الثقة بين الدعاة والعلماء بعضهم بعضا وإعادة روح المحبة والألفة.
خامساً: دفعهم للعمل على وقوفهم وحدة واحدة أمام تيارات التعصب والجهل وأفكار التكفير والإفساد في مجتمعاتنا الإسلامية، وجعلهم جميعا مرجعية قوية لأهل السنة يدعون إلى الإصلاح والهدى والبناء والإنجاز والفلاح كما أمرتهم آيات الله وسنن نبيه صلى الله عليه وسلم.
سادساً: العمل على عقد ميثاق شرف بين الدعاة والعلماء بعضهم بعضا يعملون في حدوده ويلتزمون بمواثيقه المستمدة من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأرجو أن تجد تلك الدعوة صدى عند العلماء والدعاة في كل صقع من أصقاع أمتنا الإسلامية العزيزة وأن يحمل تلك الدعوة من كل مكان أهلوه العالمون العادلون الحكماء فيسلموننا إلى بر السلامة..
وهاكم آيات الله وأحاديث نبيه التي تدعونا للقيام بهذه المهمة، مهمة الإصلاح بين الناس، أضع جانبا منها بين أيديكم لتكون دافعا لكل الهداة المهديين..
قال سبحانه: " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " " النساء ".. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة.. " متفق عليه.
و عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ " ( البخاري ).
وعن سهل الساعدي رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمر بن عوف كان بينهم شر فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس ) ( متفق عليه ).
وأخرج مسلم والبخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربه فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة وأخرج مسلم أيضا عن أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن أخو المؤمن لا يخذله ولا يظلمه لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا كل المسلم على المسلم حرام ماله وعرضه ودمه.
وأخرج البخاري عن أبي هريرة أيضا: فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا.. وقال صلى الله عليه وسلم: ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة " أي درجة الصيام النافلة وصدقة نافلة والصلاة النافلة "، فقال أبو الدرداء: قلنا بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين )أخرجه أبو داود
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار على أن يعقلوا معاقلهم، وأن يفدوا عانيهم ( أسيرهم ) بالمعروف والإصلاح بين المسلمين " [رواه أحمد].
وقال صلى الله عليه وسلم " ما عمل ابن آدم شيئاً أفضل من الصلاة، وصلاح ذات البين، وخلقِ حسن " ( الصحيحة ).
قال أنس رضي الله عنه ( من أصلح بين اثنين أعطـاه الله بكل كلمة عتق رقبة ) ( شعب الإيمان ).
وقال الأوزاعي: ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة من إصلاح ذات البين ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار..
قال بن القيم رحمه الله " فالصلح الجائز بين المسلمين يعتمد فيه رضي الله سبحانه ورضي الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالما بالوقائع، عارفا بالواجب، قاصدا العدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم " ( أعلام الموقعين ).
المراجع
ياله من دين
التصانيف
عقيدة إسلامية الدّيانات العلوم الاجتماعية
|