في إحدى الساعات التي تلت ظهور القمر، وجدت نفسي جالسا حول مائدة مستطيلة تتوزع عليها أباريق الشراب الذهبية وعلى جانبي وقبالتي جلس حشد من الملائكة بوجوههم النورانية وثيابهم الاستبرقية وقد بانت الوداعة على مظاهرهم وابتسامات الوقار على شفاههم الرقيقة التي كانت تهمس لبعضها بكلام يشبه حفيف ورق الأشجار.
لازمني ، منذ لحظة جلوسي، صمت مطلق فرضته علي هيباتهم السماوية ، فلم أتكلم بحضرتهم قط ، وانما تركت عيني تشعان بالزهو ، وفمي يمتص ما وضع امامي من شراب .. واشهد إن ما خصص لي كان كثيرا لان الملاك صاحب الدعوة خصني بكرم استثنائي لكوني بائس الحال على الرغم من وظيفتي الجيدة التي تؤهلني لان أكون من الذين يتفضلون على الاخرين .
كان الجو الذي أحاطني يحتاج إلى شاعر لوصفه.. كل شي فيه يهب النفس نشوة رائعة .. ورود ملونة..ثمار متدلية.. مصابيح حمر وصفر تتجاور على الأغصان.. سجاجيد ناعمة فوق العشب الرخو .. قطع مشعة من الماس .. تماثيل صغيرة من الذهب الخالص انتصبت فوق أربع مناضد توزعت على أركان الحديقة. .ومع إنني أحسست في البدء ببعض الذلة بسبب انصراف الملائكة للتحدث فيما بينهم وتركي مهملا منسيا..إلا أن النشوة لم تبارحني واقنعت نفسي بان مجرد وجودي بينهم هو ربح كبير لي فأنا مع كائنات لم تخالط القذارة طهارتها ولم يتلوث نور قلوبها بالادران وهذا أمر طالما تمنته نفسي .
كانوا جميعهم صفحات نقية كوجه الفجر لذلك طردت الظن السيئ من رأسي فورا حين لمحت أحدهم ، في منتصف الليل و بعد توغل الخمرة في الرؤوس ، يدس في جيبه ملعقة ذهبية ثمينة ، واعتبرت الأمر مجرد حركة لاإرادية بدرت منه خصوصا وان العقل حين ينشغل بأمر ما ، تبدر من اليد أحيانا تصرفات غير منضبطة.
وفعلا اقتنعت بعد حين أن الحركة كانت لاإرادية .فثمة ملاك في الجانب الأيسر المجاور لي كرر الحركة نفسها مع قدح ذهبي مضلع الشكل حيث سحبه من المنضدة ودسه أيضا في جيبه بدون إن يؤثر ذلك على انسيابية كلامه مع صاحبه المقابل له.
(إن جدية الأحاديث وعمقها هي التي تنسيهم أفعال أياديهم) ..
هكذا قلت لنفسي ثم قربت الإبريق الرابع مني وبدأت افرغ شرابه البارد في رأسي لعله يطير إلى السماء المرقشة بالنجوم مبتعدا عن ظنونه التافهة فقد كنت مزهوا بحظي الذي منحني فرصة السهر لمرة واحدة في العمر مع كائنات من طينتي بعد إن أفنيت ألوف الليالي وأنا أمارس هذا الحلم البعيد المنال .. ولذلك كنت أقاتل نفسي من اجل إن لا يصرعني شكها السخيف.
بعد جرعات عدة استدار رأسي قليلا صوب جهة اليمين وكانت استدارته اضطرارية فرضها علي ألم الفقرات العنقية ، فشاهدت هذه المرة بعيني الاثنين وليس بطرف إحداهما ملاكا يضع في حقيبته صحنا من البللور أفرغه توا من الفاكهة التي كانت تملاه .
كان هذا الملاك غاية في الرزانة والجدية، وذا فم يسيل عسلا نقيا ، أما الوسامة فلا تعطي أي مجال للظنون بان تطفح في النفس ولذلك احترت في تفسير تصرفه هذا خصوصا وان زميله كافاه بابتسامة مشجعة من شفتيه اللتين تشبهان النعمان .
قلت لرأسي بعد لحظات صراع سريعة: لا تدع الأصوات الخبيثة تصفر فيك. وكنت في قولي هذا عازما على سحق الشك .. تلك الدودة المؤذية التي أخذت تنبض فيه ،غير إن الدودة تمردت علي وصعدت من نبضها معلنة عن وجودها بقوة حين شاهدت ملاكا رابعا يتناول من على المنضدة سكينا من فضة لها مقبض من عاج ويضعه في حزامه ويسدل عليه طيات ثوبه الفضفاض.
استفزني ما تكرر أمامي ومع ذلك جنحت إلى التخلص من شكوكي بواسطة الاندماج مع نفسي وصرف نظري عن سواي فأنا مع ملائكة وعلى رأسي إن يكون مؤدب التفكير . وفعلا انكببت على الأباريق مستأنفا متعة احتسائها وكنت مقررا إن استمر هكذا حتى انتهاء وقت الدعوة لولا تلك اليد التي خطفت من أمامي كضوء الشمس الذي تعكسه مرآة سيارة مسرعة.
لقد مر ذلك الضوء بسرعة غريبة وحين تلاشى ترك وراءه مكانا فارغا لابريق من الأباريق الذهبية التي كانت من حصتي.
-ماالامر؟
-لاشيء..لقد سكرت .
-مستحيل.. خمور الملائكة لا تسكر.
-تذكر إن بعض الظن أثم.
-وما هذا الذي شاهدته؟
-لاشيء.
-كيف وقد سرقوا أحد أباريقي الفارغة؟
تلفتت نحو الجانبين مستفهما فوجدت إن كل ماكان على المائدة قد تلاشى: الذهب. البللور . العاج .الماسات اللماعة. الثمار اليانعة ، ولم يبق سوى الغطاء الحريري الذي سيختفي هو الاخر بعد قليل.
تذكرت قول نفسي لي (لقد سكرت) وقلت فعلا أنا هكذا ويجب إن اطرد من رأسي فكرة ( خمور الملائكة لاتسكر) وعللت ما حصل بانه جزء من تقاليدهم في الحفلات ، أو ربما سكروا هم ايضا ، واراحني هذا التعليل وشارفت على تعنيف عقلي ، غير إن المشهد الذي اجتاح بصري أرسل مفعوله إلى داخلي وشلني عن كل حركة وكلام وحولني إلى تمثال تمور في داخله انفعالات جهنمية.
فقد رأيت جميع المدعوين ينهضون واحدا اثر الآخر ويتحركون داخل الحديقة حركات تمويهية ثم تقوم أياديهم الضوئية باختلاس كل ما يقع تحتها بما فيها المصابيح التي كانت تشارك القمر في اضاءة الحفلة.
تحجرت في مكاني من فرط الذهول لمدة دقيقة أو اقل ثم غادرت سلبيتي هذه واندفعت باحثا عن الملاك صاحب الدعوة لكي اخبره بالذي حصل، فهؤلاء قوم أنذال استغلوا انشغاله وكافاوا محبته لهم بالسرقة ، وما عليه الا إن يتدارك الامر ويعيد ممتلكاته فورا.
فتشت عن صديقي هذا في زوايا الحديقة .. وبين أشجارها الكثيفة ..وقرب بركة مائها ، وحينما لم اعثر عليه ، تسلقت احدى الأشجار من ذوات الاغصان الكثيفة لعلي اجده هناك يمارس متعة الشرب باستعلاء فهو رغم كرمه وعاطفته الجميلة يحب إن يرى قامته تشمخ فوق الاخرين.
وفعلا وجدته هناك وكدت اصرخ به( انتبه لحديقتك) ، لكن الذهول أسقطني من قمة
الشجرة إلى الأرض عندما وجدته هو الآخر قد سرق بعض الأشياء الثمينة وجلس يتطلع بمنظرها لوحده تماما مثلما يتطلع عاشق في خلوة بوجه معشوقته .
صرخت به وحنجرتي تلتهب بالغيظ:
-كيف تفعل يا هذا مثلهم.؟
فرد علي بسؤال غريب ووجه يشرق بسخرية كثيفة ترافقها ضحكة سوقية استلمها إحساسي كبصقة استهانة بكل كياني:
-وهل تريدني أن احرم نفسي من ألذ متعة أيها المعجب بغبائه ؟
ثم تجاهلني تماما وانسل مع بقية أصدقائه ومضوا منتشين ..فرحين .. ربما نحو حديقة اخرى يمارسون بها متعتهم هذه.

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب