[[ملف:قران192.png
تعليق]]
التوبة
{62} يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ
رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ اِجْتَمَعُوا , فِيهِمْ الْجُلَاس بْن سُوَيْد وَوَدِيعَة بْن ثَابِت , وَفِيهِمْ غُلَام مِنْ الْأَنْصَار يُدْعَى عَامِر بْن قَيْس , فَحَقَّرُوهُ فَتَكَلَّمُوا وَقَالُوا : إِنْ كَانَ مَا يَقُول مُحَمَّد حَقًّا لَنَحْنُ شَرّ مِنْ الْحَمِير . فَغَضِبَ الْغُلَام وَقَالَ : وَاَللَّه إِنَّ مَا يَقُول حَقّ وَأَنْتُمْ شَرّ مِنْ الْحَمِير , فَأَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ , فَحَلَفُوا أَنَّ عَامِرًا كَاذِب , فَقَالَ عَامِر : هُمْ الْكَذَبَة , وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تُفَرِّق بَيْننَا حَتَّى يَتَبَيَّن صِدْق الصَّادِق وَكَذِب الْكَاذِب . فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة وَفِيهَا " يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ " .
{62} يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ
اِبْتِدَاء وَخَبَر . وَمَذْهَب سِيبَوَيْهِ أَنَّ التَّقْدِير : وَاَللَّه أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ , ثُمَّ حَذَفَ , كَمَا قَالَ بَعْضهمْ : نَحْنُ بِمَا عِنْدنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدك رَاضٍ وَالرَّأْي مُخْتَلِف وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : لَيْسَ فِي الْكَلَام مَحْذُوف , وَالتَّقْدِير , وَاَللَّه أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ وَرَسُوله , عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمَعْنَى وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ , وَاَللَّه اِفْتِتَاح كَلَام , كَمَا تَقُول : مَا شَاءَ اللَّه وَشِئْت . قَالَ النَّحَّاس : قَوْل سِيبَوَيْهِ أَوْلَاهَا , لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْي عَنْ أَنْ يُقَال : مَا شَاءَ اللَّه وَشِئْت , وَلَا يُقَدَّر فِي شَيْء تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير , وَمَعْنَاهُ صَحِيح .
قُلْت : وَقِيلَ إِنَّ اللَّه سُبْحَانه جَعَلَ رِضَاهُ فِي رِضَاهُ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ يُطِعْ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه " [النِّسَاء 80] . وَكَانَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم إِذَا مَرَّ بِهَذِهِ الْآيَة وَقَفَ , ثُمَّ يَقُول : حَرْف وَأَيّمَا حَرْف فُوِّضَ إِلَيْهِ فَلَا يَأْمُرنَا إِلَّا بِخَيْرٍ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة قَبُول يَمِين الْحَالِف وَإِنْ لَمْ يَلْزَم الْمَحْلُوف لَهُ الرِّضَا . وَالْيَمِين حَقّ لِلْمُدَّعِي . وَتَضَمَّنَتْ أَنْ يَكُون الْيَمِين بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَسْب مَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت وَمَنْ حُلِفَ لَهُ فَلْيُصَدِّقْ ) . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي الْأَيْمَان وَالِاسْتِثْنَاء فِيهَا مُسْتَوْفًى فِي الْمَائِدَة .
{63} أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ
يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ . وَقَرَأَ اِبْن هُرْمُز وَالْحَسَن " تَعْلَمُوا " بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَاب .
{63} أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ
فِي مَوْضِع نَصْب ب " يَعْلَمُوا " , وَالْهَاء كِنَايَة عَنْ الْحَدِيث .
{63} أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ
فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ . وَالْمُحَادَّة : وُقُوع هَذَا فِي حَدّ وَذَاكَ فِي حَدّ , كَالْمُشَاقَّةِ . يُقَال : حَادّ فُلَان فُلَانًا أَيْ صَارَ فِي حَدّ غَيْر حَدّه .
{63} أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ
يُقَال : مَا بَعْد الْفَاء فِي الشَّرْط مُبْتَدَأ , فَكَانَ يَجِب أَنْ يَكُون " فَإِنَّ " بِكَسْرِ الْهَمْزَة . وَقَدْ أَجَازَ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ " فَإِنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم " بِالْكَسْرِ . قَالَ سِيبَوَيْهِ : وَهُوَ جَيِّد وَأَنْشَدَ : وَعِلْمِي بِأَسْدَامِ الْمِيَاه فَلَمْ تَزَلْ قَلَائِص تَخْدِي فِي طَرِيق طَلَائِح وَأَنِّي إِذَا مَلَّتْ رِكَابِي مُنَاخهَا فَإِنِّي عَلَى حَظِّي مِنْ الْأَمْر جَامِح إِلَّا أَنَّ قِرَاءَة الْعَامَّة " فَأَنَّ " بِفَتْحِ الْهَمْزَة . فَقَالَ الْخَلِيل أَيْضًا وَسِيبَوَيْهِ : إِنَّ " أَنَّ " الثَّانِيَة مُبْدَلَة مِنْ الْأُولَى . وَزَعَمَ الْمُبَرِّد أَنَّ هَذَا الْقَوْل مَرْدُود , وَأَنَّ الصَّحِيح مَا قَالَهُ الْجَرْمِيّ , قَالَ : إِنَّ الثَّانِيَة مُكَرَّرَة لِلتَّوْكِيدِ لَمَّا طَالَ الْكَلَام , وَنَظِيره " وَهُمْ فِي الْآخِرَة هُمْ الْأَخْسَرُونَ " [النَّمْل : 5] . وَكَذَا " فَكَانَ عَاقِبَتهمَا أَنَّهُمَا فِي النَّار خَالِدَيْنِ فِيهَا " [الْحَشْر : 17] . وَقَالَ الْأَخْفَش : الْمَعْنَى فَوُجُوب النَّار لَهُ . وَأَنْكَرَهُ الْمُبَرِّد وَقَالَ : هَذَا خَطَأ مِنْ أَجْل أَنَّ " أَنَّ " الْمَفْتُوحَة الْمُشَدَّدَة لَا يُبْتَدَأ بِهَا وَيُضْمَر الْخَبَر . وَقَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : الْمَعْنَى فَالْوَاجِب أَنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم , فَإِنَّ الثَّانِيَة خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف . وَقِيلَ : التَّقْدِير فَلَهُ أَنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم . فَإِنَّ مَرْفُوعَة بِالِاسْتِقْرَارِ عَلَى إِضْمَار الْمَجْرُور بَيْن الْفَاء وَأَنَّ .
{64} يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ
خَبَر وَلَيْسَ بِأَمْرٍ . وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ خَبَر أَنَّ مَا بَعْده " إِنَّ اللَّه مُخْرِج مَا تَحْذَرُونَ " لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا عِنَادًا . وَقَالَ السُّدِّيّ : قَالَ بَعْض الْمُنَافِقِينَ وَاَللَّه وَدِدْت لَوْ أَنِّي قُدِّمْت فَجُلِدْت مِائَة وَلَا يَنْزِل فِينَا شَيْء يَفْضَحنَا , فَنَزَلَتْ الْآيَة . " يَحْذَر " أَيْ يَتَحَرَّز . وَقَالَ الزَّجَّاج : مَعْنَاهُ لِيَحْذَر , فَهُوَ أَمْر , كَمَا يُقَال : يَفْعَل ذَلِكَ .
{64} يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ
" أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ مِنْ أَنْ تُنَزَّل . وَيَجُوز عَلَى قَوْل سِيبَوَيْهِ أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى حَذْف مِنْ . وَيَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع نَصْب مَفْعُولَة لِيَحْذَر , لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ أَجَازَ : حَذِرْت زَيْدًا , وَأَنْشَدَ : حَذِر أُمُورًا لَا تَضِير وَآمِن مَا لَيْسَ مُنْجِيه مِنْ الْأَقْدَار وَلَمْ يُجِزْهُ الْمُبَرِّد , لِأَنَّ الْحَذَر شَيْء فِي الْهَيْئَة . وَمَعْنَى " عَلَيْهِمْ " أَيْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
{64} يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ
فِي شَأْن الْمُنَافِقِينَ تُخْبِرهُمْ بِمَخَازِيهِمْ وَمَسَاوِيهِمْ وَمَثَالِبهمْ , وَلِهَذَا سُمِّيَتْ الْفَاضِحَة وَالْمُثِيرَة وَالْمُبَعْثِرَة , كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّل السُّورَة . وَقَالَ الْحَسَن : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ هَذِهِ السُّورَة الْحَفَّارَة لِأَنَّهَا حَفَرَتْ مَا فِي قُلُوب الْمُنَافِقِينَ فَأَظْهَرَتْهُ .
{64} يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ
هَذَا أَمْر وَعِيد وَتَهْدِيد .
{64} يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ
أَيْ مُظْهِر " مَا تَحْذَرُونَ " ظُهُوره . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَنْزَلَ اللَّه أَسْمَاء الْمُنَافِقِينَ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا , ثُمَّ نَسَخَ تِلْكَ الْأَسْمَاء مِنْ الْقُرْآن رَأْفَة مِنْهُ وَرَحْمَة , لِأَنَّ أَوْلَادهمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَالنَّاس يُعَيِّر بَعْضهمْ بَعْضًا . فَعَلَى هَذَا قَدْ أَنْجَزَ اللَّه وَعْده بِإِظْهَارِهِ ذَلِكَ إِذْ قَالَ : " إِنَّ اللَّه مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ " . وَقِيلَ : إِخْرَاج اللَّه أَنَّهُ عَرَّفَ نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام أَحْوَالهمْ وَأَسْمَاءَهُمْ لَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقُرْآن , وَلَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَتَعْرِفَنَّهُم فِي لَحْن الْقَوْل " [مُحَمَّد : 30] وَهُوَ نَوْع إِلْهَام . وَكَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَنْ يَتَرَدَّد وَلَا يَقْطَع بِتَكْذِيبِ مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا بِصِدْقِهِ . وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْرِف صِدْقه وَيُعَانِد .
{65} وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي غَزْوَة تَبُوك . قَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره عَنْ قَتَادَة : بَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِير فِي غَزْوَة تَبُوك وَرَكْب مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُونَ بَيْن يَدَيْهِ فَقَالُوا : اُنْظُرُوا , هَذَا يَفْتَح قُصُور الشَّام وَيَأْخُذ حُصُون بَنِي الْأَصْفَر ! فَأَطْلَعَهُ اللَّه سُبْحَانه عَلَى مَا فِي قُلُوبهمْ وَمَا يَتَحَدَّثُونَ بِهِ , فَقَالَ : ( اِحْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْب - ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ - قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ) فَحَلَفُوا : مَا كُنَّا إِلَّا نَخُوض وَنَلْعَب , يُرِيدُونَ كُنَّا غَيْر مُجِدِّينَ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : رَأَيْت قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة وَدِيعَة بْن ثَابِت مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ نَاقَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمَاشِيهَا وَالْحِجَارَة تُنَكِّبهُ وَهُوَ يَقُول : إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب . وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " أَبِاَللَّهِ وَآيَاته وَرَسُوله كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ " . وَذَكَرَ النَّقَّاش أَنَّ هَذَا الْمُتَعَلِّق كَانَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول . وَكَذَا ذَكَرَ الْقُشَيْرِيّ عَنْ اِبْن عُمَر . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَذَلِكَ خَطَأ , لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَد تَبُوك . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام هَذَا لِوَدِيعَة بْن ثَابِت وَكَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَكَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك . وَالْخَوْض : الدُّخُول فِي الْمَاء , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ دُخُول فِيهِ تَلْوِيث وَأَذًى .
الثَّانِيَة : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : لَا يَخْلُو أَنْ يَكُون مَا قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ جِدًّا أَوْ هَزْلًا , وَهُوَ كَيْفَمَا كَانَ كُفْر , فَإِنَّ الْهَزْل بِالْكُفْرِ كُفْر لَا خِلَاف فِيهِ بَيْن الْأُمَّة . فَإِنَّ التَّحْقِيق أَخُو الْعِلْم وَالْحَقّ , وَالْهَزْل أَخُو الْبَاطِل وَالْجَهْل . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : اُنْظُرْ إِلَى قَوْله : " أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذ بِاَللَّهِ أَنْ أَكُون مِنْ الْجَاهِلِينَ " [الْبَقَرَة : 67] .
الثَّالِثَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْهَزْل فِي سَائِر الْأَحْكَام كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : لَا يَلْزَم مُطْلَقًا . يَلْزَم مُطْلَقًا . التَّفْرِقَة بَيْن الْبَيْع وَغَيْره . فَيَلْزَم فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الطَّلَاق قَوْلًا وَاحِدًا . وَلَا يَلْزَم فِي الْبَيْع . قَالَ مَالِك فِي كِتَاب مُحَمَّد : يَلْزَم نِكَاح الْهَازِل . وَقَالَ أَبُو زَيْد عَنْ اِبْن الْقَاسِم فِي الْعُتْبِيَّة : لَا يَلْزَم . وَقَالَ عَلِيّ بْن زِيَاد : يُفْسَخ قَبْل وَبَعْد . وَلِلشَّافِعِيِّ فِي بَيْع الْهَازِل قَوْلَانِ . وَكَذَلِكَ يَخْرُج مِنْ قَوْل عُلَمَائِنَا الْقَوْلَانِ . وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر الْإِجْمَاع فِي أَنَّ جِدّ الطَّلَاق وَهَزْله سَوَاء . وَقَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابنَا : إِنْ اِتَّفَقَا عَلَى الْهَزْل فِي النِّكَاح وَالْبَيْع لَمْ يَلْزَم , وَإِنْ اِخْتَلَفَا غَلَبَ الْجِدّ الْهَزْل . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاث جِدّهنَّ جِدّ وَهَزْلهنَّ جِدّ النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة ) . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حَسَن غَرِيب , وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَهْل الْعِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرهمْ .
قُلْت : كَذَا فِي الْحَدِيث ( وَالرَّجْعَة ) وَفِي مُوَطَّإِ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : ثَلَاث لَيْسَ فِيهِمْ لَعِب النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعِتْق . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَأَبِي الدَّرْدَاء , كُلّهمْ قَالَ : ( ثَلَاث لَا لَعِب فِيهِنَّ وَلَا رُجُوع فِيهِنَّ وَاللَّاعِب فِيهِنَّ جَادّ النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعِتْق ) وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عُمَر قَالَ : ( أَرْبَع جَائِزَات عَلَى كُلّ أَحَد الْعِتْق وَالطَّلَاق وَالنِّكَاح وَالنُّذُور ) وَعَنْ الضَّحَّاك قَالَ : ثَلَاث لَا لَعِب فِيهِنَّ , النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالنُّذُور .
{66} لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ
عَلَى جِهَة التَّوْبِيخ , كَأَنَّهُ يَقُول : لَا تَفْعَلُوا مَا لَا يَنْفَع , ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَعَدَم الِاعْتِذَار مِنْ الذَّنْب . وَاعْتَذَرَ بِمَعْنَى أَعْذَرَ , أَيْ صَارَ ذَا عُذْر . قَالَ لَبِيد : وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدْ اِعْتَذَرَ وَالِاعْتِذَار : مَحْو أَثَر الْمَوْجِدَة , يُقَال : اِعْتَذَرَتْ الْمَنَازِل دَرَسَتْ . وَالِاعْتِذَار الدُّرُوس . قَالَ الشَّاعِر : أَمْ كُنْت تَعْرِف آيَات فَقَدْ جَعَلَتْ أَطْلَال إِلْفك بِالْوَدْكَاءِ تَعْتَذِر وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : أَصْله الْقَطْع . وَاعْتَذَرْت إِلَيْهِ قَطَعْت مَا فِي قَلْبه مِنْ الْمَوْجِدَة . وَمِنْهُ عُذْرَة الْغُلَام وَهُوَ مَا يُقْطَع مِنْهُ عِنْد الْخِتَان . وَمِنْهُ عُذْرَة الْجَارِيَة لِأَنَّهُ يَقْطَع خَاتَم عُذْرَتهَا .
{66} لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ
قِيلَ : كَانُوا ثَلَاثَة نَفَر , هَزِئَ اِثْنَانِ وَضَحِكَ وَاحِد , فَالْمَعْفُوّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي ضَحِكَ وَلَمْ يَتَكَلَّم . وَالطَّائِفَة الْجَمَاعَة , وَيُقَال لِلْوَاحِدِ عَلَى مَعْنَى نَفْس طَائِفَة . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : يُطْلَق لَفْظ الْجَمْع عَلَى الْوَاحِد , كَقَوْلِك : خَرَجَ فُلَان عَلَى الْبِغَال . قَالَ : وَيَجُوز أَنْ تَكُون الطَّائِفَة إِذَا أُرِيدَ بِهَا الْوَاحِد طَائِفًا , وَالْهَاء لِلْمُبَالَغَةِ . وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم هَذَا الرَّجُل الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ عَلَى أَقْوَال . فَقِيلَ : مَخْشِيّ بْن حُمَيِّر , قَالَهُ اِبْن إِسْحَاق . وَقَالَ اِبْن هِشَام : وَيُقَال فِيهِ اِبْن مَخْشِيّ . وَقَالَ خَلِيفَة بْن خَيَّاط فِي تَارِيخه : اِسْمه مُخَاشِن بْن حُمَيِّر . وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ مُخَاشِن الْحِمْيَرِيّ وَذَكَرَ السُّهَيْلِيّ مُخَشِّن بْن خُمَيِّر . وَذَكَرَ جَمِيعهمْ أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ , وَكَانَ تَابَ وَسُمِّيَ عَبْد الرَّحْمَن , فَدَعَا اللَّه أَنْ يُقْتَل شَهِيدًا وَلَا يُعْلَم بِقَبْرِهِ . وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ مُنَافِقًا أَوْ مُسْلِمًا . فَقِيلَ : كَانَ مُنَافِقًا ثُمَّ تَابَ تَوْبَة نَصُوحًا . وَقِيلَ : كَانَ مُسْلِمًا , إِلَّا أَنَّهُ سَمِعَ الْمُنَافِقِينَ فَضَحِكَ لَهُمْ وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ .
{67} الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
" الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات " اِبْتِدَاء . " بَعْضهمْ " اِبْتِدَاء ثَانٍ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون بَدَلًا , وَيَكُون الْخَبَر " مِنْ بَعْض " . وَمَعْنَى " بَعْضهمْ مِنْ بَعْض " أَيْ هُمْ كَالشَّيْءِ الْوَاحِد فِي الْخُرُوج عَنْ الدِّين . وَقَالَ الزَّجَّاج , هَذَا مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : " يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ " [التَّوْبَة : 56] أَيْ لَيْسُوا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَكِنَّ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض ,
{67} الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
أَيْ مُتَشَابِهُونَ فِي الْأَمْر بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْي عَنْ الْمَعْرُوف . وَقَبْض أَيْدِيهمْ عِبَارَة عَنْ تَرْك الْجِهَاد , وَفِيمَا يَجِب عَلَيْهِمْ مِنْ حَقّ . وَالنِّسْيَان : التَّرْك هُنَا , أَيْ تَرَكُوا مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ فَتَرَكَهُمْ فِي الشَّكّ . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ تَرَكُوا أَمْره حَتَّى صَارَ كَالْمَنْسِيِّ فَصَيَّرَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْسِيّ مِنْ ثَوَابه . وَقَالَ قَتَادَة : " نَسِيَهُمْ " أَيْ مِنْ الْخَيْر , فَأَمَّا مِنْ الشَّرّ فَلَمْ يَنْسَهُمْ . وَالْفِسْق : الْخُرُوج عَنْ الطَّاعَة وَالدِّين . وَقَدْ تَقَدَّمَ .
{68} وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
يُقَال : وَعَدَ اللَّه بِالْخَيْرِ وَعْدًا . وَوَعَدَ بِالشَّرِّ وَعِيدًا " خَالِدِينَ " نُصِبَ عَلَى الْحَال وَالْعَامِل مَحْذُوف , أَيْ يَصْلَوْنَهَا خَالِدِينَ .
{68} وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
اِبْتِدَاء وَخَبَر , أَيْ هِيَ كِفَايَة وَوَفَاء لِجَزَاءِ أَعْمَالهمْ . وَاللَّعْن : الْبُعْد , أَيْ مِنْ رَحْمَة اللَّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ .
{68} وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
أَيْ وَاصِب دَائِم .
المراجع
quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=11&Page=1موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم
login |